من يقرع الباب؟

اسكندر نعمة قرأها 6
 

منيقرع الباب؟

اسكندر نعمة

فيتلك الليلة، لم يعرف النوم إلى عينيّ سبيلاً. لماذا؟؟.. لست أدري!.. كان الحرّشديداً جداً، وشراسة الرطوبة تجثم على الصدور وتخنق الأنفاس. لم أعد أذكر من تفاصيلإقبالي على النوم شيئاً كثيراً. كل ما أذكره هو أنني، في ساعة متأخرة، دلفت إلىغرفة النوم بجوّها الخانق اللاهب، وارتميت على الفراش مكدود الجسد، متعب الأعصاب ممنّياًَ نفسي بنومة أقنعت خبيئتي أنها ستكون عميقة وثقيلة.. تنقذني مما أنا فيه، مبعدة عني نوازع الأرق والتشتت..‏

أغمضت عيني. غطست في هدوء مصطنع من شأنه أن يجعل النوم يتسلّل إلى أعصابي وجسدي. أسلمت روحي لهذه الحالة. إغماضٌ في العينين، ارتخاء أبله، خروج عن دائرة المؤرقاتاليومية، ممنياً النفس بنشوة الإغفاء العميق..‏

لمينقضِ عليّ وأنا في هذه الحالة، سوى فترة قصيرة، حتى فزعت من نومي مرتعشاً. ساورنياضطراب شديد واستغراب مرير. حاولت أن ألمس وجهي بكفيّ. لم أتمكن.. تساءَلت بذهول شديد: «أين ذراعاي؟!! أين كفايّ؟!!». تلفتُّ إلى الجانبين، لم أجد شيئاً. لقد بترتذراعاي من كتفيهما، وحل بدلاً عنهما جناحان قويّان، أخذتا تهتزان بتواتر غريب. تهبطان وترتفعان من دون ضابط وانتظام. ساورني خوف لا حدود له، وتعاظم فزعي عندماألفيتني أرتفع عن سريري شيئاً فشيئاً. أخذتُ أحوم في جو الغرفة الخانق كطائر مذعوريبحث عن منفذ للانطلاق، ينشد الفضاء الواسع الرحب. لامستُ سقف الغرفة واصطدمتبالجدران مراراً. ما لبثتُ أخيراً أن ضممتُ جناحيَّ بتصميم أكيد. اتجهت نحو النافذةالتي اعتدت أن أتركها مفتوحة في ليالي الصيف الخانقة.. لحظات.. وإذا بي أسبح فيفضاء لا حدود له. شعرت وقتئذ بإحساس غامر من الارتياح والسعادة، وأنا أجدف فيالفراغ. بمهارة توازي مهارة أعظم طيور السماء وأخطرها... تكورت في أحضان هذهالسعادة الطارئة، ورحت أستزيد منها صعوداً وهبوطاً. نسيت غرفتي الخانقة، وسريريالمعدني، وذراعيّ اللتين تحوّلتا إلى جناحين..: «يا الله.. السعادة الحقة أن يمخرالإنسان عباب الدنيا بلا موانع ولا حدود». إلا أن سعادتي هذه التي ملأت روحي، لمتدم طويلاً. إذ سرعان ما استبدت بي مشاعر صارخة نبتت فجأة في أعماقي: «كيف يمكنللإنسان وهو لصيق بالأرض دوماً أن يتحول فجأة إلى طائر قويّ يحلّق في الفضاء كمايحلو له».. وقف هذا السؤال شامخاً في داخلي... ولم أتبين جواباً مقنعاً: «من أينراودتني تلك الخواطر والأحاسيس؟!... لست أدري». طغت عليّ تلك المشاعر وعكّرت كثيراً من صفوي. لكنني بقيت أجدّف بجناحين قويين وأمخر عباب الفضاء واخترق الظلام الذي كانيحيط بي. أحسست أنني أصبحت متسلحاً بعينين ثاقبتين تستطيعان اختراق سجن الظلمة وطيّاتها. زادني الأمر اعتزازاً بنفسي وثقة بقدرتي على تحدّي الصعاب. الرياحالهادئة تغمرني من كل جانب، وأنا أنساب بسهولة عبر طياتها اللطيفة...‏

فجأةوجدتني وأنا أجتر خواطري القلقة تلك، أجتاز منطقة الظلام لأغطس في منطقة نور ساطع البياض والشفافية. منطقة تتلألأ فيها النجوم والشهب والأضواء. شعرتُ أن سهاماً حادةانغرست في عينيّ. رحت أغلقهما وأفتحهما كي آلف الجو الجديد. بانت لي على البعيدوعلى الجانبين آفاق وآفاق. نسيت كل شيء من ماضيَّ القريب والبعيد. أنا طائر فحسب. نسيت قدميَّ وذراعيَّ وعنقي ورأسي، وبدأت أتصالح مع حالتي الراهنة وأتماهى معها.. عبر بياض الكون الساطع، لمحت في الأفق البعيد طائراً آخر. بدا لي في أول الأمرشيئاً غامض الشكل والملامح، لكنه ما لبث أن أخذ يزداد وضوحاً كلما اقتربت منه.. يا إلهي.. ماذا أرى؟!!.. هززت رأسي، أغمضت عينيّ وفتحتهما بتواتر سريع. حككت صدغيّ بأطراف جناحي. اختل توازني، انطلقتُ إلى الأمام وغرست عينيّ في الطائر القادم نحوي«: يا الله.. ما أسعدني.. إنه امرأة طائر.. ترى هل استبد بها الأرق هي الأخرى، ونبتلها جناحان وطارت عن فراشها، وجاء لتلتقيني... آه.. يا إلهي... ماذا حدث؟!!»..‏

التقينا.. كل منا يطوف حول الآخر. يحدّق فيه. يرفرف بجناحينهادئين.. اقتربَتْ مني. ابتسمت لها ابتسامة عريضة، حاولت أن أدخل إلى روحهاالطمأنينة. ابتسمت لي أيضاً ابتسامة رقيقة ملهوفة. اعتقدت أنها تعرفني عندما كانتأقدامنا تلتصق بالأرض وتنتقل فوق أديمها.. تساءَلت في داخلي: «ترى.. هل تحولت تلك المرأة الجميلة إلى طائر حقيقي؟!. استبدّت بي تلك الخواطر والأسئلة. غاضت الابتسامةمن وجهي وعينيّ وشفتيّ. حاولت أن أستعيدها، فلم أفلح... مزّقتني تلك الأسئلة من الداخل، فما عدت أعرف كيف أبتسم. اخترقت أحاسيسي العلاقات الطائشة كلها التيبعثرتها الحكومات على الأرض. دون رغبة مني أخذت أقابل المرأة بتجهم قاسٍ. غطست منجديد في مستنقع علاقات الأرضية... اقتربت مني أكثر. أدامت النظر إليّ. لم أقلع عنتجهمّي. ارتسم على محيّاها الجميل البريء غمامة من الحزن والألم، وأخذت تغطس في عمق سحابة رمادية ظهرت فجأة إلى جانبنا.. ندمت على ما بدر مني وحاولت أن ألحق بها عبر الغمامة الرمادية، فإذا بجدار عالٍ جداً يفصل بين جسدينا ويحول بيننا. صعقت منالأعماق: «من أين انبثق هذا الجدار؟!!» جمعت شتات شجاعتي، وخفقت بجناحين قويينمحاولاً أن أعلو الجدار وأتخطاه إلى الجهة الأخرى. لم أفلح. كان الجدار يزداد علواً. كررت المحاولة مرات عدة. عدت بخفيّ حنين. كلما صعدت في الجو، أكثر كانالجدار يزداد ارتفاعاً وصلفاً. غمرتني موجة من التحدي ممزوجة بتصميم لم أعهده منقبل.. حلّقت وحلّقت عالياً. أصبح بيني وبين حافة الجدار قيد أنملة.. طائر أسود كبيرالحجم، بشع المظهر يبرز لي فجأة، ويهددني بمنقاره الحاد المعقوف. لا عهد لي بمبارزةالطيور. حرتُ في أمري... إلا أن رغبة الوصول إلى المرأة الجميلة زادت من مشاعرالتحدّي التي غمرت نفسي. أنا أصعد والجدار يعلو. كدت أخيراً أبلغ الهدف. أخذت أستعدللهبوط على حافة الجدار العليا. فإذا بالطائر يبرز من جديد زاعقاً مهدداً ملّوحاًبمنقار ومخالب الموت. تجرّأت على تجاوزه والوقوف على حافة الجدار.. كانت المرأةتنتظرني على الجانب الآخر.. ابتسمت لي من أعماقها. قرأت اللهفة في عينيها. وفيما أنا أستعد للهبوط إليها. عاجلني الطائر الأسود بضربة عنيفة من منقاره على ذروة رأسي، فأخذت أهوي مترنحاً وقد فقدت كل شيء».

عندمااصطدمت بالأرض، افترستني آلام مبرحة، وتناهى إلى مسمعي أصوات آدمية متداخلة، ولمأستطع أن أتبيّن فحواها. تمرغت على الأرض الصلبة كثيراً. عاد إلي بعض وعيي.. تداخلت في خبيئتي ذكريات لولبية مؤرقة.. فراشي.. النوم.. الأرض.. الجناحان... الطيران.. المرأة الجميلة.. الجدار الفاصل.. الطائر الأسود البشع.. ترى أين أنا الآن. وفي أيةبقعة من الأرض أتمرّغ؟!!.‏

تعمّقصحوي.. ازدادت الأسئلة الغامضة، تثقل ذهني وأعصابي. أعرف المدينة شبراً شبراً، لكنني أجهل هذا المكان. تلفتُّ حولي، فإذا بأجساد آدمية تحيط بي. تأملتها جيداً. ماأعجب ذلك، لم أعرف منهم أحداً!!.. أغمضت عينيّ فلاح لي شبح المرأة المختبئة خلفالجدار، بابتسامتها الرقيقة، وجسدها الأهيف الجميل، ووجهها الهادئ البريء. تمنيتآنئذ أن يتلاشى جناحاي، وتعود إليّ ذراعاي لأمد لها كفّين حانيتين دافئتين.. اكتفيت بأن أبادلها ابتسامتها بابتسامة مماثلة. فإذا بالأجساد المحيطة بي تنهالعليّ ضاغطة بأقدامها، حتى دخلت في شبه غيبوبة جديدة..‏

لستأدري، هل أفقت من غيبوبتي أم لا. حاولت تحريك أطرافي فلم تستجب. كان جناحاي يهتزّانبوهن، والخدر يسري في أوصالي، ووخز حادّ يستفيق في صدري. فتحت عيني على الفضاءالشاسع البعيد، وجدتها تقبل نحوي ترفرف بجناحيها. ابتسمت لي... آه لتلك الابتسامةما أرقها. أمرتني بحزم أن ألحق بها، وغابت في طيّات غمامة رمادية من جديد.. استجمعتُقواي وحلّقت خلفها أفتّش عنها في ثنايا السحابة، وما إن سمعت خفق جناحيها حتى انتصبالجدار اللعين من جديد بيني وبينها. حاولت تجاوزه فاصطدمت به بقوة وقسوة... أحسستأن كل شيء ينسحب من تحتي، وأن جناحيّ يتحطمان... أخذت أتهاوى وأنا أزعق بفزع وخوف. أهوي ثم أهوي بسرعة جنونية... حتى ارتطم جسدي بالأرض، أطلقت حنجرتي صرخةً مكبوتةأشبه بصرخة الموت...‏

كانجسدي يتفصد عرقاً، ووجهي ينزف ألماً وخوفاً.. السرير المعدني يئزّ تحت ثقل جسدي المرهق، وكفّاي متصلبتان بشدة فوق صدري... وقبل أن أملك شيئاً من زمام أمري، تناهىإلى مسمعي المضطرب صوت ضربات عنيفة متتالية تقرع الباب، ممزوجة بأمواج متداخلة من صخب عشوائي.‏

ترى... ما مصدر هذا الصخب المفزع؟!!... ومن كان يقرع الباب؟!!‏