الدكتور بيار زلوعة يقتفي آثارهم في الدَّم الجديد ..من هم الفينيقيون ؟
هل يمكن علم الوراثة وما يتضمنه من تحليل المكوّن الأساسي للكروموزومات (DNA) إثبات ان اللبنانيين المعاصرين، مسيحيين ومسلمين، يحملون الإرث الفينيقي ذاته.
الاستماع الى الدكتور بيار زلوعة الاختصاصي في علم الوراثة يروي تجربته الفريدة مع زميله سبنسر ويلز فيه شيء من الإثارة التي هي من شأن الأساطير. بيد أن العلم نابع هنا من واقع ملموس، وعلى نطاق واسع من التحليل في هذا الارث البشري المتمدّد في الزمان.
المجلة الجدية جداً "ناشونال جيوغرافيك سوساسيتي" اهتمَّت للسؤال الكبير الذي طرحه العالمان فرعتْ حملتهما التنقيبية في عينات من دم سكان سواحل البحر الابيض المتوسط، المدن التي استعمرها الفينيقيون وزرعوا فيها حضارتهم وصناعاتهم ونشروا الحرف، انطلاقاً من صور. مشروعٌ طموح يحمل عنوانين كبيرين: "من هم الفينيقيون؟" و"هل أنت فينيقي؟".
* دكتور زلوعة، من اين انطلقتما أنت وزميلك في هذه المهمة الصعبة والمثيرة؟
- تنقيباتنا الاولى قامت على الهجرة الى لبنان من شعوب غامضة كانت تتكنَّى بشعوب البحر، حوالى عام 1200 قبل الميلاد، تمازجتْ مع الكنعانيين أهل البلد وأدَّى ذلك الى ولادة الحضارة الفينيقية. وقد تكون شعوب البحر هذه متأصلة من بحر إيجيا، تحرّكتْ في اتجاه المدن الساحلية الشرقية بقصد الغزوات من نهب وحرق، غير أنها عفت عن المدن الكنعانية، ربما بفضل معاهدة سلم بينها.
* هل يمكن التثبّت بالتحاليل من أن ثمَّة آثاراً جينية تركتْها شعوب البحر في الارث الجيني للكنعانيين؟
- الأسئلة كثيرة. هل كانت هجرة شعوب البحر كثيفة الى لبنان؟ وهل ساهمتْ في خلق مثال جينيٍّ فينيقي؟ نحن نملك اليوم أدواتٍ تسمح لنا بالأجابة عن هذه الاسئلة، كالبحث عن دلائل في التغير الفجائي في الوراثة، ظهرت في العصر الفينيقي ولاتزال موجودة في الارث الجيني، اي الحمض النووي ((DNA.
* وعلى ماذا تعوّل اذا ما اكتشفتم تلك التغيرات؟
- هذه الدلائل اذا ما ثبتتْ وبالطبع بشكل كتوم جداً، فإن بضعة أحرف من أصل ثلاثة مليارات من أبجديتنا الجينية، ستسمح لنا بالتحقق من النَّسل الفينيقي. هذه الدلائل قد تكون محدَّدة في نقاط خاصة من صبغية نواة الخلية (كروموزوم)، تلك التي تحدِّد الجنس الذكوري. والفرادة في هذا الموضوع هو ان الكروموزوم Y ينتقل من الاب الى الأبن من غير وساطة الأم.
* من أين بدأتُما اختباراتكما؟
- من مدينة صور، من بحارتها أي من حيث انطلق الفينيقيون، يجوبون البحر الأبيض المتوسط ناشرين الحضارة والثقافة والحرف والاكتشافات.
أنا فينيقي
ما همّ إذا كانت الرياح نائمة وأمواج البحر هانئة، ما دامت سواعدهم رياحاً عالية ومراكبهم اعتادت منذ القدم أن ترجرج الموج وتوقظه من سباته.
إنهم صيادو لبنان وما زالوا على نفَسٍ واحد مع الأزمنة، ينطلقون ليلاً في مراكبهم ويلقون بشباكهم في هذه الممارسة القديمة قدم الأزمنة في صيد الأسماك. هؤلاء الرجال الذين سجلوا حضورهم في التاريخ الفينيقي ولا يزالون، فهل من روابط بين أولئك الرجال وهؤلاء؟ هذا ما جاء هذان العالمان يبحثان عنه.
على شرفة مقهى من مرفأ صور بدأ زلوعة وويلز سحب عينات دم من متطوعين محليين.
* هل أدركوا المهمّة التي جئتم من أجلها؟
- بل جاء البعض بحماسة رغبة منهم في ان يكونوا الأوائل في تحليل دمهم بعدما فهموا ان الموروثات الجينية لا بد ان تدلَّ على روابط نسبية بين بحارة اليوم وآخرين تركوا بصماتهم الوراثية في هذا الشرق منذ اكثر من 5000 سنة وانطلقوا من هذا الساحل الشرقي الى غرب البحر المتوسط، فكان من أهم تجاراتهم المعادن الثمينة وخشب الارز. اليونانيون لقَّبوهم الشعب الأحمر لأقمشة الأرجوان التي كانوا يصدّرونها.
* ما قد تكون الدلائل التي سوف تجيب عن أسئلتكم؟
- من خلال البحوث التحليلية لا بد من إيجاد الجواب في تعاقبات الكروموزومات من فئة "Y" تلك التي يرثها الصبيّ عن والده.
* هل الحمض النووي وفيٌّ في إعطاء الأجوبة المرجوة؟
- الحمض النووي ككتاب التاريخ يضيء الروابط التي بيننا وبين شعوب ألفية. أعداد كبيرة من هذه الشعوب أتت الى "جبيل" وترسَّخت فيها وقرنت موروثاتها بأبنائها المحليين، والتحاليل هي لإظهار قدرة الحمض النووي على ان يعْبر آلاف السنين ويبقى مدعوَّاً لتأكيد صحة التاريخ. فهمنا الأساسي والذي آمنتْ به مجلة "ناشونال جيوغرافيك" وموَّلته هو اكتشاف دلائل جديدة تمكننا من معرفة من هم الفينيقيون، رغم كل ما قرأناه عنهم في النصوص القديمة، شعباً موهوباً للتجارة والتواصل بين سائر الشعوب وما زالوا لغزاً لم يستطع المؤرخون التنقيب عن اسباب زوال حضارتهم، هذه الحضارة التي اشرقتْ على العالم وانطفأت دون ان تترك آثاراً منها. بيد ان المؤرخين عرفوا عنهم، كنعانيين في استنادهم الى الحقبة السالفة لعام 1200 ق.م. واليونانيون لقَّبوهم الفوانيكس أي الشعب الأحمر. أما هم فكانوا يعتبرون أنفسهم مواطنين في مدن مسوّرة كبيبلوس وصيدا وصور، يجوبون البحار لنشر ثقافاتهم في مدن جبارة بحضارتها، الأشورية والبابلية.
اليوم يستند العالمان زلوعة وويلز لاقتفاء آثار الفينيقيين، الى أبجدية جديدة هي ذرات الحمض النووي الركيزة الأهم للوراثة.
* كيف تعرفتُما الى بعضكما؟
- عام 2000 تم التعارف بيننا في جامعة هارفرد. كان بنسر يختبر تقنيات وراثية تقوم على ترسيم هجرات الشعوب القديمة وذلك كروموزومات نسلهم الحي. أما من جهتي فكنت في صدد درس ما يمكنه ان يفعله في اعادة بناء وطن دمرته 15 سنة من الحروب بين مختلف مذاهبها وتياراتها السياسية. كان همّي اولاً ان أفهم الرابط الوراثي الموجود بين اللبنانيين اليوم وأجدادهم الفينيقيين. ولا نغالي اذا قلنا انه خلال الحرب الدموية، كنت غالباً ما أسمع ان المسيحيين كانوا يؤكِّدون انهم كنعانيون وتالياً من الذرية الفينيقية مباشرة، اي انَّ حقهم في هذه الأرض تاريخي أكثر من الوافدين اليه من الجزيرة العربية، حتى أصبح لكلمة "فينيقي" معناها السلبي. كلمة غائبة عن المتحف الوطني. فالآثار فيه مصنفة بحسب العصور، البرونزي القديم والوسطي والحديث. التنقيبات التي نقوم بها على كامل المدن الساحلية للبحر المتوسط ستُطْلعنا على هذا الدّم الذي تتساوى فيه شعوب هذه المنطقة، لاسيما اذا كان اللبنانيون، مسيحيين ومسلمين، متساوين في الوراثة. هذا ما نحن في صدد دراسته.
عن صحيفة النهار