"ليل الغرباء" لغادة السمَّان – تمزُّقات مِن لحم الغربة
كيف عساك تُغرِق حواسَّك في كتاب لغادة السمّان وأنت منشرح البال وقلبك يدقُّ الهُوينا كما ساعة الدهور التي لا فناء لها. كيف تعِد نفسك بمطالعة شيقة بقلم أديبة كبيرة وخلف الغلاف أشباح من الماضي وظلال من حاضر محنّط وجماعات من امرأة ورجال يبحثون عن الهوية، عن الأسم الضائع، عن بديل من وطن في بلدان أكثر غربة من البلد المفقود.
تقلِّب الصفحة الاولى من "ليل الغرباء"، الصادرة عن "منشورات غادة السمان"، فتجد نفسك على هوة سحيقة بين كابوس ليلي وحقيقة ساطعة بنور النهار البارد. الثواني المجنونة تبعد حارس الرقَّاص عن ساعة الجدران، لترقص بجموح في عروقك، وتستفزّ دمك، وتحذّره من أن لا استراحة في الأمكنة التي تكتب عنها غادة السمّان، ولا مقاعد ترخي عقلك عليها. تقرأ شبه واقف، شبه مقرفص، كالزنزانات المرصودة للعقاب الكبير. تتطلّع الى الباب المسدود وتطلب النجدة لعلّك تخرج إلى أماكن أكثر سعة، تراهن على براءتك لتعتقد أن الوجوه صادقة، غير ملثّمة بقناع الرحمة الكاذب.
غادة السمّان تلتقطك بمخالب قلمها، توجعك، تعود مرات إلى القرص تدير عليه أسطوانة قدرنا العربي، صفعة تجبرك على النهوض من كبوتك الذكورية، من رغبات المرأة البائتة. بوحشية ضارية تعرِّي الوجود والوجوه. ظالمة بقدر جناها اليائس من الحقيقة، جريئة في نزع القشور الكاذبة، المُمَوَّهة، لتشي بغضب او بسخرية، بهزيمتنا العربية المتواصلة في الزمان وفي الأوطان التي باتت بلا أسماء ولا تاريخ.
كلماتٌ تتردَّد دوماً، من مثل مُواء داخلي، أقنعة، أشباح، "مطر"... الخ، ونسأل أين هي وجوههم الحقيقية، ونحن نلتهم ما تطبخه هذه الجنية من حصى في تتبيلتها السحرية. قصص سبع في كتاب "ليل الغرباء"، هي معركة غادة السمان وضميرها العربي. تكتب كمحقق في العدالة والمساواة. كأن وراء كل كلمة مرافعة، "أنا أتهم". كأنها، والكلام في كل قصة بصيغة المتكلّم، تعطي من صوتها التضامن الأوسع مع أبناء هذه الأرض.
علاقات مبتورة بين الأرض وناسها، بين الرجل والمرأة، مفكَّكة بين المرأة وذاتها. "ليل الغرباء"، سبع قصص لخيط قائد واحد بينها، يلتقط تماوجات غريبة بين حالة وأخرى. كأن الأنسان واحد هنا وهناك، مغرّب، مشتّت، يسعى إلى سكينة عادية فلا يتعثّر بسوى القلق واللاإستقرار. بفن هيتشكوكي، تصور غادة السمان الهواجس والمكبوتات، تتسلَّل إلى اللاوعي لتستنبش سرَّ الأشياء ومفعولها الكيميائي، في الرجل كما في المرأة. فالمرأة تبقى في مدار انشغالها الأدبي بامتياز، حاضرة بهشاشتها، بأعاصيرها الجنسية، وجوعها المزمن الى الحب والغرام.
جنّيَّةٌ هي غادة السمان، توقد تحت طبختها العربية حطباً يابساً قابلاً للاشتعال فيتراءى المشهد أمامك، موجعاً، بحذافيره، يخرق المنظور لمفاعيل أقوى طعوناً في النفس، من دون أن تتدنى الكتابة عن رهافتها، عن بلاغتها ورونقها. سبع قصص مسلوخة من جذور الهزائم الوطنية، تتكوَّى على نارها الضمائر وتستيقظ الرغبات الجائعة. سموم على غرار الساحرات القدامى، تقطّرها الكاتبة في كرْكة الحقيقة بأسلوبها الجارح، المجرّح، المتكلّم بصوت خافت عن الحياة، فيعلو الصوت مكفّنا بالموت وبالفناء.
هل الذاكرة حقيقة او بُهتان؟ هل فعلاً حدث هذا او ذاك في ماضي العائلة او لمناسبة عيد؟ او هي أوهام تبعث أشلاء من ذلك الأمس، تنير ذكريات مضى عليها الوقت فتغدو من أهل الخرافة والتوهم؟ الوقت أسير بين أصابعها لكنه لا يأسرها، تشد خيوطه حسبما تملي عليها الذاكرة فيمضي يخط على الورقة من الجنوب إلى الشمال، من وجود مضى ومن فتات حاضر عطوبي. أشخاصها ليسوا بأبطال، ينجون حطاماً بعد فاجعة. نازحون هم في جلدهم. نتصورهم كذلك من خلال عبارات الكاتبة، عبارات هي إشارات حمراء تلزمنا أن نتوقف عندها: "هنا مدينة الحب الجديد، الحب الطُّحْلُبيّ، مَن يتمرّدْ يستحِلْ جمجمةً يشربون بها... المُواء في داخلي يكاد يطغى على كل شيء". يتحول الحبر الأسود إلى أكثر دكْنة حين تتدخل الذكريات: "أتمسّك بكَ بتشنُّج غريقٍ في نهرٍ مقدّس، وأستسلم لكَ بلذَّة لحظة الموت". بين نصٍّ وآخر، حالكاً يلعب الماضي والحاضر في وجدانٍ من العذابات النازفة، تحاول غادة دملها بسخرية مرّة: "يستحيل المواء قهقهةً. أعبُّ من الكأس أمامي، أسكب نارها المرَّ دفعةً واحدة".
الصور حادة، موحلة، وليدة فاجعة إنسانية محفورة في اللحم، على جدران المدن. والصوت واحد، لهذه المرأة الواقفة أمام زمنين ورجال عديدين وأوطان عدة. تتلقَّى الصدمات مما يحدث في الناس والمدن، تكتبها أدباً غير مباشر. المدينة تتذكرها بشكل تلميحي، إلماعي، يقول أكثر مما لو أفاضت في الوصف والاستذكار. هو الغياب، الفراغ، الملامح الممحوة، وذلك السعي الدائم إلى النسيان. عناصر مهمة، تشيّد بها دعما هشّا، قابلا للسقوط. ألا تقول في قصة (بقعة ضوء على مسرح): "بصعوبة أتمالك نفسي كي لا أسأله: هل تعرف أين يقع بلدي؟".
وطنه، وطني، كل وطن، وطن كل إنسان. لماذا هذا الموضوع يجلب نزفاً مريراً؟ ماذا حدث هناك؟ الغياب داء عضال. إنه نواة الانسان والعالم في أدب غادة السمان. الرجال يتمتعون بحيوية لا تملكها النساء. من قصة إلى أخرى هي المرأة التي يملأ داخلها ضجيجٌ جارح، أما الظاهر فسكون وانتظار في هذا الكون المسلّط ضوءاً بارداً على أسرارهن.
في قصتها السادسة، (أمسية أخرى باردة)، إسمعوا ما تقول: "داره كانت بركة نور على جلد المدينة الجامد وتعرّيني من شرنقة منفاي وموجات صوته تروح وتجيء على كياني وأهذي... ونهذي معا". يتغرَّب الإنسان كما في "ليل الغرباء"، ينوء عن الأرض التي على اسمه، وتبقى روائح من مشرقه متغلغلة فيه، تدلُّه إن تاه إلى الاتجاه الذي غاب عنه، ولا يزال يخترعه ويعيد ولادته من رحم أحلام. تدرك غادة السمان أن الأحلام خرافة لا تدغدغ ولا تشفي، لذا فإن مرت عهود على كتابة قصة من قصصها، تبقى متجددة مع خيباتنا، حارسة الزمن وبريقه الحالك.