عصر النَّهضة روائياً (2 من 3)
نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ أطويلٌ طريقُنا أم يطولُ؟
وكثيرٌ من السؤال اشتياقٌ وكثيرٌ من ردّه تعليــلُ
...
ويصف زكي مبارك كتَّاب القصة بأنهم (ينتمون إلى الطبقة الدنيا من الأدباء، وبأنه من النادر أن يكون بينهم من ظفر بثقافة أدبية وافرة تبيح له أن يكون ذا رأي خاص أو أسلوب طريف، وبأنهم عالة على الآداب الأجنبية(2). ويمعن مصطفى صادق الرافعي، في عدائه للقصة ـ الرواية، في كثير من مقالاته، وهو يحدد رأيه عام 1934 في مجلة (الرسالة) في جواب على سؤال: (لماذا لم تكتب القصة؟)، وتحت العنوان التالي: (فلسفة القصة ولماذا لا أكتب فيها؟) قائلاً: (شاع أدب القصة في أوربا، وطغى عندهم على المقالة، والكتاب وديوان الشعر جميعاً، فقام عندنا المتابعون في الرأي أو المقلدون في الهوى، والضعفاء بطبيعة التقليد والمتابعة، قاموا يدعون إلى هذا الفن من الكتابة، ولا يرون من لا يكتب فيه إلا مدْبراً عن عصره وأدبه، ولا جرم إذا كانوا هم أنفسهم مدبرين عن الحقيقة ومعنى الحقيقة.. أنا لا أعبأ بالمظاهر والأعراض التي يأتي بها يوم وينسخها آخر. والقبلة التي أتجه إليها في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا أكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد في حياتها سمواً، ويمكن لفضائلها وخصائصها في الحياة، ولذا لا أمسُّ من الآداب إلا نواحيها العليا، ثم إنه يخيل إليّ دائماً أنني رسول لغوي بُعث للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه، متحاشياً أن أنقل إلى كتابتي دواب الأرض أو دواب الناس أو دواب الحوادث..)(3).
ويكتب أحمد حسن الزيات، صاحب (الرسالة) عام 1937، الآتي: (وستظل (مجلة الرسالة) تنقل خطاها الوئيدة السديدة المتزنة على ما رسمته لها كرامة الجنس وطبيعة البيئة وحاجة الثقافة. لا تتخذ لهو الحديث ولا تصطنع خوادع الحس ولا تتعلق شهوات الأنفس. وأصدقاؤها ـ والحمد لله والشكر لهم ـ ليسوا على هذه الخشونة فلا يريدون أن تخطر في وشي، ولا أن تُطرى في كلام، ولا أن تميل إلى هوى العافية. حتى أبوا كل الإباء أن يتسع فيها مجال القصص(4).
ثلاثة من كبار كتاب الثلاثينيات فما فوق، ومن أبرز مجايليهم، يرفضون القصة ـ الرواية، ويرمونها بالسفه من الكلام، وينعتون الآخذين بها، والعاملين على فنها، نعوتاً قبيحة، فيها افتقار إلى اللياقة، والحس السليم، والذوق الذي ينبغي أن يتحلى به صغار الكتاب، فكيف بالكبار منهم! فما هو دافعهم إلى ذلك؟ ولماذا هذا التعنت حيال جنس أدبي جديد، وهذا الهراء في الحملة عليه؟ أحدهم، العقاد، الذي سيعود هو نفسه، ويحاول كتابة الرواية دون نجاح، يكشف لنا طرفاً من الستر الذي وراءه تتلطى دوافعهم، حين يعلن أن القصة تنشر أفكاراً اجتماعية يصفها بالهدامة، ويتجاوز التلميح إلى التصريح بعد ذلك، فيقول إن (القصة تروج للشيوعية). أما مصطفى صادق الرافعي، فإنه ينطلق في معاداة الرواية من منطلق فيه خبث، فيه تدجيل، حين يعلن أنه إنما يفعل ذلك غيرة على (النفس الشرقية في دينها وفضائلها). ويتلطف أحمد حسن الزيات، متوارياً وراء مجلته (الرسالة) التي (لا تتخذ لهو الحديث ولا تصطنع خوادع الحس) برفض القصة رفضاً فيه حذلقة، زاعماً أن أصدقاء المجلة (أبوا كل الإباء أن يتسع فيها مجال القصص). والحقيقة أن هؤلاء الكتاب وغيرهم كانوا يعادون القصة ـ الرواية لأنها اجترأت على اللغة المحنطة ففكت أكفانها، وبعثتها من مرقدها، ونزلت بها إلى أوساط الناس، وعبرت بوساطتها عن همومهم ومشاكلهم، ولأنها ـ القصة ـ الرواية ـ كانت تحمل رؤية جديدة إلى العالم، وتؤدي وظيفة اجتماعية ذات أثر في تنبيه المجتمعات العربية وإيقاظها من سبات الأضاليل والخرافات وتحريرها من أغلال القديم والمألوف، وتحريرها تالياً من الخضوع المطلق للحكام والظالمين.
زيادة على ذلك، ومن الناحية الشكلية الصرف، كان العقاد يقاوم القصة لأنها تخرج عن إطار المقالة التي أخذ بها ويضيق بها مصطفى صادق الرافعي بسبب من أنها تهدم صنعته البائسة في المنحوتة اللغوية، هو الذي كان يعدّ نفسه (رسولاً لغوياً) إلى العالم. ويترفع عنها أحمد حسن الزيات لأنها تجعل بلاغته بدداً، ومع هؤلاء كان يقف آخرون، أزهريون، وتقليديون ومتحذلقون، ومتحجرون لغة وفكراً. غير أن موجة التجديد اللغوي، المطلوبة لذاتها انسجاماً مع تغيرات العصر، والمستدعاة بحكم الضرورة بسبب الأجناس الأدبية المغايرة للأجناس السائدة والبائدة في الأدب، سرعان ما انتصرت في هذه المعركة، التي استغرقت النصف الأول من القرن العشرين. ويأتي الزمن الذي تصبح فيه القصة ـ الرواية، بلغتها الخاصة، سيدة الموقف، حتى إن التحول نحوها يصبح تياراً جارفاً، يصفه مارون عبود بهذه الكلمات التي تلخص الرد التاريخي على المتزمتين: (كان أكبر همِّ الأديب، فيما مضى، أن يكون شاعراً، أما أقصى ما يروم اليوم فهو أن يحصى في عداد القصيين)(1) .
إن الفترة بين عامي 1927 و1952 ليست شيئاً في حساب الزمن، لكنها بالنسبة لمعركة القصة ـ الرواية ـ بين مؤيديها ومعارضيها، كانت كافية لأن تقلب المفاهيم، إذا ما استرجعنا قول يحيى حقي عام 1927 (أما في مصر فالقصة المطولة (الرواية) لم تولد بعد)، وقارناه بما قاله مارون عبود عام 1952 ولاحظنا أن الكتاب العرب تسابقوا في العقد التالي لكلام يحيى حقي، إلى ممارسة كتابة القصة الرواية وعلى نحو متواتر السرعة. فقد صدرت الروايات الرائدة، والمبكرة زمنياً، حسب التواريخ التالية: (جناية أوربا على نفسها) لأحمد فتحي عام 1906، (عذراء دانشواي) لمحمود طاهر حقي عام 1906، (الأجنحة المتكسرة) لجبران خليل جبران عام 1912، (زينب) لمحمد حسين هيكل عام 1914، (جلال خالد) لمحمود أحمد السيد 1928، (الرغيف) لتوفيق يوسف عواد 1936، إضافة إلى قصص محمد تيمور ومحمود تيمور التي تعود إلى العشرينيات وما بعدها؟
هكذا اخترقت القصة ـ الرواية جدار الزمن الكتيم، وأحدثت شرخاً كبيراً في السلسلة الثقافية القديمة، بتقديمها نظرة اجتماعية جديدة للعالم، لم تكن مجرد إعلان فكري، بل صياغة قصصية روائية فنية وفكرية معاً، ترتكز إلى التخييل الذي ينتمي إلى ثقافة وبيئة، وزمان ومكان، وهي العناصر التي كانت مغيبة في السابق، فصار لها حضور، واعتماد، وأسس واضحة في النمط الروائي الجديد ذي الوظيفة الاجتماعية التنويرية، التي استعلنت معها عملية تاريخية كاملة، استولدت رؤية جديدة للعالم، حلّت محل الرؤية القديمة، على مستوى اللغة والشكل والمضمون . (الحلقة 3 من 3).
لكن ماذا بالنسبة إليَّ كروائي عربي؟ وماذا أعطاني عصر النهضة في مرحلته المتأخرة نسبياً، مرحلة النصف الأول من هذا القرن؟ في الجواب لا يكفي القول إنه أعطاني الرواية، هذا النمط الأدبي الجديد، الثوري بامتياز، ما دام كل ما هو جديد أو حديث ثوري بالضرورة. إن الجواب، على هذا النحو، فيه ابتسار، والجواب، على نحو مفصل، فيه تطويل، لذلك سأجمل الكلام في نقاط محددة، هي التالية:
1. دخلت ُعالم الأدب من باب القصة والرواية، وكان دخولي هذا اضطرارياً، لأنني، كما هو معروف عني، تتلمذت على المطالعة، خارج كل تحصيل مدرسي، وكانت القصة والرواية سبباً في إقبالي على هذه المطالعة وشغفي بها.
2. فتَّحت القصة والرواية عينيَّ على عوالم اجتماعية لم أكن لأنتبه إليها، أو أرصدها، أو أتتبّعها بالملاحظة المستمرة، وكان عليَّ، لفهم هذه العوالم الاجتماعية، أن أقرأ غير القصة والرواية، وأن أمتلك مفهوماً عن العالم، وبهذا الدافع تنوعت قراءاتي واتسعت، فاغتنتْ ثقافتي بالمعرفة في شقيها: الكتب والناس.
3. نبّهتنْي القصة والرواية إلى مسألة مهمة جداً، كان لها تأثير حاسم في تكوني الروائي، وهي مسألة معرفة البيئة، وتخصيصاً البيئة البحرية، ثم البيئة الريفية.
4. أنقذتني لغة الرواية من الإيغال في لغة البلاغة التي أُخذتُ بها أولاً. وأذكر بهذه المناسبة أنني، في بدء شبابي، قرأتُ حتى الحفظ كتاب (الألفاظ الكتابية) للهمذاني، ثم كان عليَّ، أن أقرأ من جديد، لأنسى هذه المرة. وحكاية الحفظ والنسيان، وضرورتهما معروفة ومشهورة، وهي تؤهل الشاعر لامتلاك عدته، والكاتب شخصيته بذاتيتها المتميزة.
5. ساعدتني الرواية، وما ثار قبلها وبعدها من جدل حول اللغة، أن أفهم أن لكل بيئة لغتها البيئية، أي مفرداتها اللغوية المحلية. إن كل كلمة عامية لها جذر بالفصحى، وقد استطعت بمعرفتي للبيئة ومفرداتها أن أدير الحوار بالفصحى التي تحسبها من العامية وهي ليست كذلك، وفي الدعوة التي راجت، والمعركة التي اشتدت، بين أنصار الفصحى والعامية، منذ بداية القرن حتى الستينيات منه، كنت إلى جانب الكتابة بالفصحى سرداً وحواراً، ونجحت في ذلك. ونجاحي، إلى جانب نجاحات كتاب آخرين، شيخهم مارون عبود، يقدم إسهاماً في تطوير اللغة العربية، وتحريرها من جمودها مع الحفاظ على أصالة بينتها أن تتناهبها، وتغيّبها، اللهجات المحلية لكل قطر عربي، فظلت الفصحى هي المعتمدة، وراحت اللهجة المحلية المحكية تقترب من اللغة المكتوبة، وهذا عائد إلى انتشار التعليم، وشيوع الثقافة، عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، مما حفظ لغتنا التي هي أحد مقومات قوميتنا العربية، وسبب أساس في تكون أمتنا العربية.
6. كانت الرواية، بالنسبة لي، معطى كبيراً لعصر النهضة، أمدّني بالقدرة المطاوعة على قول ما أريد، من خلال الحدث، وبدلاته، دون اللجوء إلى الصراخ أو الافتعال، ودون أن أقارب المقالة وأنا أكتب القصة، أو الدراسة وأنا أكتب الرواية.
7. الرواية هي عطاء عصر النهضة، بما كان لعصر النهضة من انفتاح على الغرب، والترجمة لأدبه، وقد بدأنا، في الوطن العربي، الأخذ بالرواية تعريباً، لكن طلوع البورجوازية تطلب أداته التعبيرية، فكانت الرواية، وتعثّرتْ ولادة الرواية، بصفتها ملحمة البورجوازية، مع تعثر هذه البورجوازية، وقصور مشروعها الأيديولوجي. وكان علينا، بعد ثورة 1919 المخفقة، أن نشتغل على الرواية في محاولات تجريبية، ظلت قائمة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، في بعض أقطار الوطن العربي، ومع توفيق الحكيم وطه حسين بدأت الرواية العربية بزوغاً خجولاً، ثم مع نجيب محفوظ ويحيى حقي كان تأسيسها الذي تطلب هويتها العربية بجهد تراكم فيه الكم متحولاً إلى نوع. ومنذ منتصف الأربعينيات حققت الرواية العربية، بجهد محفوظ خاصة، وجهد الروائيين المجايلين عامة، حضورها الدائم، الفاعل، وفازت بهويتها نهائياً مع ثلاثية (قصر الشوق) ثم دَشَّنتْ، مع روايات سهيل إدريس، عبد الرحمن الشرقاوي، فتحي غانم، غائب طعمة فرمان، حنا مينه وغيرهم، عهداً واقعياً جديداً، كان خلفاً للعهد الرومانسي، الذي كان أبرز ممثليه عبد الحليم عبد الله وشكيب الجابري وغيرهما.
8. في المرحلة التالية: وعلى المهاد الواقعي نفسه، وبعد أن ترسخت الرواية بوصفها جنساً أدبياً معترفاً به، تهيأ للروائيين العرب المناخ اللازم، المدعم بالمفاهيم الروائية النظرية، أن يقوموا بنقله نحو الابتكار في الشكل، والجرأة في الطرح، فكانت روايات إبراهيم أصلان، الطيب الصالح، عبد الرحمن منيف، إميل حبيبي، جبرا إبراهيم جبرا، وغيرهم، ثم كانت روايات الجيل التالي: جمال الغيطاني، يوسف القعيد، صنع الله إبراهيم، إملي نصر الله، غادة السمان، حيدر حيدر، هاني الراهب وغيرهم أيضاً.
9. مع استمرار العطاء الروائي لنجيب محفوظ ويحيى حقي وتوفيق يوسف عواد وغيرهم، ومع أخذ التناول الابتكاري في الأشكال الروائية، ذات المضامين الجديدة، في الحسبان، ومع تتابع أجيال الروائيين العرب، سيقيض للرواية العربية، لا أن تحقق حضوراً متميزاً على الساحة الأدبية العربية فقط، بل أن تصبح سيدة الأجناس الأدبية العربية على الإطلاق.
10. هذه الجردة التزمينية، ليست مسوقة برغبة في تأكيد تاريخية الرواية العربية، بقدر ما هي ضرورة موضوعية، لتبيان أن الرواية التي أخذنا جنسها الأدبي عن الغرب أصلاً قد أصبحت، شكلاً ومضموناً، عربية خالصة استحقت اعتراف العالم، الذي شرع بترجمتها على نطاق يزداد اتساعاً، وتم تدشين الاعتراف بقيمتها الفنية في لقاء الروائيين العرب والفرنسيين في آذار 1988 في باريس، وفي غيره من اللقاءات والندوات الروائية في الشرق والغرب.
11. إذا كان كل جنس أدبي جديد هو ثوري بالضرورة، فإن الرواية العربية كانت جنساً أدبياً ثورياً بامتياز، وضعت الشعب، أو العامة على مسرح الحركة الأدبية العربية. ومن هنا كان أثرها وخطرها الكبيران، وكانت مقاومتها التي بلغت حد اتهام الآخذين بها بالحمق والمرض والانحراف والكفر، فولادة الرواية العربية التي تزامنت مع مرحلة نهوض قادَتْها بورجوازية تأثرت بالغرب وظلت تابعة له، أتاحت، لأول مرة في أدبنا العربي، أن يكون الشعب نقطةً الدائرة في الطروح الروائية، واتخذت من أبناء العامة، والأحياء الفقيرة، وأفراد الطبقة الكادحة، ومن الأرياف والعمال الزراعيين، وحتى عمال التراحيل، نماذج لها، دافعة، على هذا النحو، الناس إلى مركز اهتمام الأدباء، بعد أن كان الشعر، سيد مرحلة ما قبل الرواية والقصة، مبعداً عن مثل هذه الاهتمامات، وما كان في وسعه أن يقدم رؤية اجتماعية متكاملة، لأنه حصر اهتمامه، تاريخياً، بالملوك والأمراء والأغنياء، والبلاطات والدور والقصور، ومناسبات البيعة والمبايعة والتتويج والرثاء والمديح وما شابهها من أغراض الشعر العمودي الكلاسيكي. لكن علينا، ههنا، ألا نغفل الحضور الوطني لهذا الشعر، في مراحل الكفاح الوطني لأجل الاستقلال وإجلاء الجيوش الأجنبية والتحريض على الثورة الوطنية. إن الرواية تعني، وتساوي، رؤية شعبية اجتماعية، ومعها فقط، حسب باختين، طفق دور الشعب يظهر في التاريخ الحديث، فكانت الرواية متأثرة به في حالة الإظهار، ومؤثرة فيه في حالة تظهير قضاياه وطرحها ومعالجتها.
لهذا كله، أنا مدين، كروائي، لعصر النهضة، لغة وشكلاً ومضموناً، ودون ميل إلى المغالاة يمكنني التأكيد، أن كل روائي عربي مدين لهذا العصر في الشغل على جنس الرواية، وفي لعب دور الناقد الاجتماعي، والمستأنف الأدبي ضد الحاضر، من خلالها. وهذا يضع أمامنا مهمة فائقة الأهمية، هي العودة إلى الكلام على عصر النهضة، بنشر عطاءاته الفكرية وإبداعاته الأدبية. وتسليط الأضواء على دوره الهام، وذلك من منطلق استعادته، لا إعادته، فجوهر المشكلة يكمن في أخذ إضافة هذا العصر، وتطويرها، بعد دراستها جدياً، واستئناف شوطها، إذا ما أردنا الشروع بإنتاج معرفة تنويرية، تطرحها وتلح في طرحها، ظروف راهنة، يتكون فيها العقل العربي، وعلينا أن نسهم في تكونيه علمياً، وتخليصه من الأوهام والأضاليل والخرافات والأخطبوطات الملساء ذات الأذرع المتعددة، المتوفزة، للفكر الرجعي، الظلامي، التي تستغل استياء الإنسان العربي المشروع من أوضاع سياسية واجتماعية متردية، فتوقعه في عنكبوتية مشروعها الارتدادي نحو عصور التزمت، والقمع، الذي عنوانه الرمي بالزندقة، ونصب محاكم التفتيش، وحمي تنانير الحرق للمفكرين والأدباء لعرب، وكل المستنيرين الذين ينتجون فكراً جديداً، أو يستلهمون هذا الفكر الجديد، ويناصرون الحداثة التي تقرع طبول الحرب عليها من قبل الأصوليين.
إذن عصر النهضة لم يعطنا أجناساً أدبية جديدة فحسب، بل أعطانا كذلك لغة عربية متطورة، ومطاوعة، قادرة على مدّنا بطاقة التعبير، وبالمرونة اللازمة لحمل أساليب كتابة جديدة، كتابة عصرنا الراهن، بلغة حية، غنية، تنتفي من معجمها تلك الكلمات القاموسية المحنطة، وذلك الترادف الإيقاعي في الجمل ذات المفردات المتعددة، الدالة على معنى واحد، فقير، مكرور. وتتيح لهذه اللغة أن تتخلص من عيوبها السجعية والبلاغية.
بكلمة:
أعطانا عصر النهضة لغة الحياة، وأدب الحياة، والرؤية الاجتماعية الإنسانية التي تنبني على فهم الواقع، وتعمل على تغييره.
عن صحيفة النور