يا فـَرَج... أماتَ الموتُ أم ذعِرَ الذعرُ؟

حنا مينه قرأها 388
 

يا فـَرَج... أماتَ الموتُ أم ذعِرَ الذعرُ؟

بقلم: حنا مينه

أحمـامةً تبكي على الصيفِ المودِّعِ أم علــينا؟

كـــنا الملوكَ على الشباب،  وكانت الدنيا لدينا

كنا الغصونَ الخضرَ في كفِّ المـلاحة والتويـنا

نمشي ونهرعُ بالشبـاب  إذا مشى الناسُ الهوينـا

إنـا بنينا للشــبابِ،  ولـــم يدمْ ما قد بنينـا

يا فائت الأيــــامِ... تسألك المـدامعُ أينا أينا؟

المصادفات في حياتي كثيرة، والرّزايا كثيرة أيضاً، ويعرف القراء في أربع جهات الأرض أنني أضعتُ طفولتي بالشقاء، وشبابي في السياسة، ولستُ بنادم، حتى لو ينفع الندم، لأن شأنه في المسرّات والملمّات إعادة المشهد، وهذا في رأيي مرفوضٌ مرفوض، لأنه يعيدني إلى الذكريات، هذه التي ألعنها صباح مساء، لأنها اغتالتني. وذلك أن فرحنا في الوطن العربي الكبير قليل جداً، وحزننا كبير جداً، وفي المأثور الشعبي صفحات، بل كتب ودواوين عن هذه الحقيقة المرة، أو الحقيقة التي لها طعم الحقيقة وكفى!

وإذا كانت الحقيقة لها طعم واحد، هو طعم سريرتها، فإن الجَنـَف عنها، أو فيها، ينأى بنا عن جوهر حياتنا، وهو الكفاح على الأرض، لا في طبقات السحب البيض. وفي هذه النقطة أتوقف، أنحني، أسجد على عتبات المناضلين، وفي مقدمهم المعلم فرج الله الحلو، الذي ناضل دون أن يقول مرة واحدة إنني أناضل، واجترح المأثرة الكبرى في هذا النضال، دون أن يفكر لحظة واحدة أنه يصنع المأثرة، التي لم يسبقه، أو يلحقه بها، أو إليها، أحد في المناضلين والمقارعين والمستشهدين في دنيانا كلها.

إنني، في السبق إلى راحة الموت، من المقصرين جداً، وصدق تعالى حين قال: (لكل أجل كتاب) (الرعد/38). ولأن هذا الأجل لا يأتي، وأخاف أن يعاند فلا يأتي، إلا بعد أن أموت وأنا حي، فإن الكلام على الذين ركبوا عربة الرحلة الأخيرة قبلي، يضعني في خانة الشاهد الحي، الذي سمع، ورأى، وتألم جداً، ولمَّا يزل.

وبالصفة الآنف ذكرها، أكون من الذين (سمعوا ووعوا)، ورأى عن قرب وبُعْد، الراحلين، الذين يتحدث عنهم الآن ملتاعاً، ومن هؤلاء الكبار في تاريخنا النضالي فرج الله الحلو، فقد رأيته وسمعته، وجلستُ إليه، وتعلـَّمتُ منه أموراً متعددة متنوعة عن الكفاح العلني والسري، إلا أن موته الرهيب، بالطريقة الرهيبة، التي لجأ إليها المباحثيون، لم تخطر في بالي وبال الناس من المناضلين الأحياء والأموات معاً.

في حي الأشرفية من بيروت، كان لي رفيق يصنع الكاتو ويبيعه في دكانه الصغير، ومن مقعدي في زاوية هذا الدكان، كنت أرى فرج الله الحلو يخرج من بيته في الضحى، ويمضي راجلاً، رافلاً في أناقته، يردُّ على التحايا من الجانبين، بعفوية صادقة حلوة دمثة. وكنتُ قبل ذلك قد رأيته في المؤتمر العلني، الذي عقده الحزب الشيوعي في اليوم الأخير من كانون الأول عام 1943 واليومين الأولين من عام 1944، وحضره رفاق كنتُ أعرف أسماءهم، دون أن أرى وجوههم، وحضر هذا المؤتمر كبار المسؤولين اللبنانيين، عرفتُ منهم رئيس البرلمان اللبناني آنذاك حبيب أبو شهلا، ورأيت لأول مرة أعلاماً في الثقافة، مثل: رئيف خوري، قدري قلعجي، وصفي البني، وغيرهم.
وفي الشهر الأول للوحدة المصرية العربية، وقبل أن يتفضل عبد الناصر بزيارة الإقليم الشمالي، كما صار اسم سورية بعد الوحدة، ويكيل التهم للشيوعيين والوطنيين بغير اقتصاد، ودون وجه حق، أو وهنة صدق، زرتُ جريدة (النور) التي يصدرها الحزب الشيوعي السوري، الذي كان موحَّداً في سورية ولبنان، ولاسمه دويٌّ في الوطن العربي وبعض بلدان أوربا والعالم الثالث، وهناك التقيت فرج الله الحلو، الذي كـُلـِّف برئاسة تحرير جريدة (النور)، وقد احتفى بي، وتحدَّث إليَّ وعني لوقت غير قصير، وفي حديثه نبرة انتقاد لمن ظلموه، وأرغموه على كتابة اعتراف ينتقد فيه نفسه بالتقصير وارتكاب الأخطاء غير الواردة أو المبررة، حرصاً منه على البقاء عضواً في الحزب.

لقد دارت الأيام، وذهب هذا التقرير مع الريح، التي ساقها فرج أمامه، وثبت المثل القائل (الدهر دولاب، لا عمَّك ولا خالك)، وقد خرجتُ من مكتب فرج الله على وعد بالعودة إليه، إلا أن الوعد ابتلعه حوت الزمن، في حركته التي تنفي سكونه، فقد اضطررت في نفس الليلة إلى مغادرة سورية في مغامرة ناجحة.

وبعد أسبوع، أي في ليلة رأس السنة تماماً، بدأت الاعتقالات، وطالت بشكل خاص، أعضاء رابطة الكتاب العرب، وبينهم سعيد حورانية، شوقي بغدادي، سليم قندلفت وغيرهم.

يا رفيق فرج الله! ما كنت ُ أحسب أنك أنت الرفيق الأنيق الرقيق، والمثقف ثقافة عالية، والدمث إلى حد العذوبة، تملك في إهابك كل هذا القدر من الصلابة، ومن تحمل الأذى، والوثوب عليه، ومن مواجهة الشدة في شجاعة نادرة، وصلابة أزرت بالجلادين، الذين ذهلوا بعد أن نفخوك، وداسوا بأقدامهم على بطنك المنتفخ حتى تمزقت الأحشاء، وأسلمت الروح في تحدٍ بالغ الروعة، بالغ الأثر والخطر، فاحتارت السلطة، وخاف الجلادون، واهتزت أرضنا، هذه الكروية كالبرتقالة الزرقاء، من وقع الاحتجاجات، التي انهالت على رأس كل مسؤول عن هذه الجريمة البشعة المنكرة، التي لم يجدوا سبيلاً إلى إخفائها إلا بجريمة أبشع، وهي إذابة الجثة بالأسيد.

الآن، وفي الذكرى الخمسين لاستشهادك البطولي، التي نستعيد فيها غيابك عنا، ورحيلك الفاجع عن دنيانا، لا نملك سوى الحزن والأسى والألم والجراحات الناغرة. فطوبى ثلاثاً لمأثرة صمودك النادرة، وبلسم الرحمن جراح أهلك وبناتك، وفي الخلد يندرج ضميرك وضمير رفاقك، الذين رحلوا، والذين بقوا أحياء يواصلون السير على الدرب الذي كنت الرائد فيه والمثل والقدوة، وستبقى كذلك ما بقي الكفاح قانون حياتنا أزلاً أبداً.

لا تسلْها فلـــن تجيبَ الطلـولُ  المغاويـــرُ مثخنٌ أو قـتيـلُ *

موحشـاتٌ يطـوفَ في صمتها الـدَّهرُ.. فللدهـرِ وحـشةٌ وذهـولُ

* في فلسطين والعراق.