عصر النَّهضة روائياً – النّص الكامل

حنا مينه قرأها 5
  

نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ            أطويلٌ طريقُنا أم يطولُ؟

وكثيرٌ من السؤال اشتياقٌ            وكثيرٌ من ردّه تعليــلُ

غاية هذه المشاركة في الكلام على عصر النهضة، وتخصيصاً في المئة عام الممتدة بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، ليست الدراسة، أو البحث، أو النظر في المشروع الإبداعي، أو التحليل الاجتماعي والأدبي، فهذه المقاربات متروكة لمن يستطيعونها: قصدتُ الباحثين المتخصصين الذين يتناولون عصر النهضة، منذ غزو القوات الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت لمصر، وما استتبع ذلك من دخول المطبعة، أو التعامل مع المطبعة، باعتبارها نقلة كبيرة في صناعة الصحيفة والكتاب، وتالياً الفكر، ثم حكم محمد علي باشا الكبير، والبعثات التي أوفدها إلى أوربا، وإلى فرنسا تحديداً، وعودة أعضاء هذه البعثات برؤى جديدة، وأفكار جديدة، على نحو ما فعل رفاعة الطهطاوي في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريس) الذي أراد منه نقل مشاهداته في بلاد الفرنسيس، متضمنة آراء في هذه المشاهدات، ووضعها في متناول القراء المصريين والعرب، ليفتح العيون، وينبه الأذهان، ويسهم في قيادة عصر النهضة العربية الذي سيقطع، تدريجياً، السلسلة الثقافية السائدة، نتيجة انقطاع السلسلة الاجتماعية القائمة، بما طرأ عليها من إرهاصات الفكر البورجوازي، وما تبعه من تكونات البنى البورجوازية، التي ستخوض، منذ ذاك، نضالاً طويلاً، خفياً ومعلناً، لإنضاج عملية انزياح الإقطاع، بأفكاره وتقاليده، وببناه التحتية، من ملكية الأرض إلى حيازة الصناعة الحرفية الصغيرة واحتكارها، والتمسك بكل تخلف الحياة الزراعية، وما نشأ عن ذلك من إفرازات ومعوقات النمو الاجتماعي، التي كان لها معادلها في النمو الثقافي، إذ سادت ظروف تحجر الفكر وانحطاطه، ومحاربة الجديد، والتشبث بالقديم ليبقى قديماً وسائداً.

إنني، في هذه الصفحات القليلة، أرغب في الكلام على عصر النهضة، من جانب واحد، هو جانب انقطاع السلسلة الثقافية القديمة، وقيام سلسلة ثقافية جديدة، كانت القصة والرواية والمسرحية من نتاجاتها، وكانت هذه النتاجات، بالأجناس الأدبية الجديدة التي تخلقت في ظروفها، انتصاراً على الصعيد الفكري، استدعاه التغيير على الصعيد الاجتماعي، الذي سمح بتبدلات اقتصادية مهمة، برزت في مطلع القرن العشرين، وكانت ثورة عام 1919 في مصر ذروتها، والتعبير السياسي عنها.

والسؤال المحدَّد الذي أطرحه، وأحاول الإجابة عنه، في الحدود التي أشرت إليها، هو التالي: ماذا يعني عصر النهضة بالنسبة لي كروائي؟ وفي الجواب أقول: لو لم يكن عصر النهضة العربية، لما كانت الرواية العربية، فهذا الجنس الأدبي الذي هو وليد عصر البرجوازية الأوربية، وملحمتها أيضاً حسب جورج لوكاتش، وليد البورجوازية العربية، فهل قيض للبورجوازية العربية، خاصة في مصر، أن تستوفي شروطها، أي أن تلعب دورها الاقتصادي، بالقطع مع المركز الاقتصادي الرأسمالي العالمي، وأن تسير، في نمط إنتاجها، في خط مستقل، وفي بناء اقتصادي متكامل، يتطلب أيديولوجيته، ويصوغها، ويبرز فلاسفتها ومفكريها وكتابها، على نحو ما حدث في أوربا تماماً؟ ما حدث كان العكس، إذ لم تقطع البورجوازية العربية مع المركز الاقتصادي الرأسمالي العالمي. ظلت تابعة له في نمط إنتاجها الكولنيالي، مشدودة بأسباب سلطتها إلى الرأسمالية العالمية، مسخرة لخدمة مشاريعها، وبذلك تخلت البورجوازية العربية عن دورها النهضوي، عن استقلالها. وفشلت في أن تمتلك اقتصادها الوطني، وفقدت إمكانية الاستمرار في صعودها، وفي صياغة أيديولوجيتها، إثر ثورة 1919، التي انتهت بمصر إلى الوقوع، أكثر فأكثر، نتيجة المديونية، في قبضة الاحتلال الإنكليزي. واشتدت هذه القبضة، مع الخديوي إسماعيل إحكاماً، وأمعنت في الصناعة المصرية الناشئة تخريباً، وفي تفتيت البورجوازية الوطنية وتمزيقها، وتقسيمها إلى كتل متناحرة، بين مؤيدة للقصر ومعارضة له، ومتعاونة مع الاحتلال الإنكليزي، ومقاومة له. مما أدى إلى فشل المشروع النهضوي الفكري، بسبب فشل المشروع النهضوي البورجوازي الاقتصادي والاجتماعي، وارتهانه للغرب.

على هذا النحو، انقطع المجرى، بين أوائل مفكري عصر النهضة العربية، أمثال محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني، وبين عبد الله النديم وقاسم أمين ولطفي السيد والشيخ عبد الرازق ومن جايلهم من طه حسين إلى سلامة موسى وغيره.

وإذا كان علينا، الآن، أن نعود إلى دراسة عصر النهضة العربية، اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً، وامتلاكه معرفياً، لإعادة إنتاجه ثقافياً في ظروفنا الحاضرة، وفي ضوء المعرفة التي صارت إلينا من رواده، فإن علينا أن نبحث عن أطراف الخيوط الفكرية المقطوعة، ونعيد وصلها، في ظروف جديدة راهنة، هي ظروفنا في الوطن العربي كله، ثم نستأنف السير بمشروعنا التنويري الجديد، المشروع الذي علينا أن نجند له كل طاقاتنا الإبداعية، انطلاقاً من رؤية الأشياء في ضوء جديد، هو ضوء الفكر التقدمي، الوطني والقومي. وبعبارة أصح، ضوء الفكر الاشتراكي الذي كان مغيباً أو غائباً، في المراحل الأولى للنهضة العربية، ولم نعرفه، أو نتعرف إليه، إلا مع بدايات القرن الماضي. ثم علينا أن نرى إلى السلسلة الثقافية القديمة، فندرس مكوناتها، ومقوماتها، ونتفحص مواقفها، ونحلل نتاجاتها، ونرى كيف قطعت هذه السلسلة والمعركة الفكرية التي دارت حولها، واستغرقت النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، ثم عادت الآن إلى الظهور، تحت أستار من الاتهامات والتلفيقات الكاذبة، الموجهة ضد الفكر التنويري، في مجابهته للفكر التجهيلي الظلامي.

لقد كانت السلسلة الثقافية العربية التقليدية، حتى أوائل القرن الماضي، تحتوي في جانبها الأدبي، أجناس الشعر والمقامة والرسائل والتراجم والسير وغيرها. لكن هذه السلسلة كانت، منذ أواسط القرن التاسع عشر، قد بدأت تتغير بالتزامن مع تغير تركيب المجتمع نتيجة العوامل الخارجية (أوربا) والداخلية، مجتمع الدولة العثمانية، وما كان يحدث فيه من إصلاحات وتنظيمات وحركات اجتماعية وفكرية جديدة، وبتغير حلقات السلسلة التقليدية، تغيرت السلسلة كلها، حلقة بعد أخرى، وكان هذا يعني، بالضرورة، ولادة سلسلة ثقافية جديدة ذات أجناس أدبية جديدة، ومنها الرواية، التي أنا في صدد الكلام عنها.

لنلاحظ، أولاً، أن الشعر هو الذي تقدم، ليكون الجنس البديل في هذا التغيير، لكن الشعر، في ضربته المطرقية، التي حطمت حلقات الإخوانيات والتراسل واللعب اللفظي، كما في شعر عصر الانحطاط، ما لبث، أن وجه ضربة أشد وقعاً، حين أُخذ بالحداثة. هنا كان الانعطاف الأخطر، باعتبار أن التغيير حدث في قلب الشعرية، هذه التي كانت عقد السلسلة القديمة، باعتبار أن الشعر هو (ديوان العرب) ثم تفككت الحلقات، فحلت القصة محل المقامة، والمقالة محل الرسالة، والدراسات مقابل التراجم، وكانت الرواية، بما هي رؤية اجتماعية متكاملة، وبما هي جنس أدبي تطلب لغة خاصة، لغة نقيضاً للسَّجع والبلاغة، أهم قطع في السلسلة القديمة، وأهم مدماك، في بناء السلسلة الجديدة. وحولها قامت معركة أدبية، ترافقت والمعركة الاجتماعية، أو أن هذه استدعت تلك، فكان نضال بين الجديد والقديم، بين كرم ملحم كرم ومصطفى صادق الرافعي. وكان هذا النضال اجتماعياً في البنية التحتية، الاقتصادية، وكان ثقافياً في البنية الفوقية الثقافية والمعرفية.

دخول الرواية، إذن، لم يكن سهلاً، ولم يتقبله التقليديون بالمهادنة، بل شنوا عليه هجوماً ضارياً. وكانت حجتهم أن هذه (الرومان) ـ كما كانوا يسمونها ـ بدعة جاءت من الغرب. وفعلاً جاءت الرواية والقصة والمسرحية من الغرب، حين عجزت البورجوازية العربية، على نحو ما تقدم، أن تنهض على مهاد اقتصادي مستقل، وأن تتطور وتأخذ مكانتها وحجمها، وتستعلن في أدبياتها، التي تنبثق من صلبها، تعبيراً عنها، وحملاً لأيديولوجيتها.

الرواية، إذن، جنس أدبي غربي، هذا أمر أصبح بديهية بذاتها، صارت الآن خارج دائرة الجدل والنقاش. لكن الرواية، أو (الرومان) أو (الرومانيات) كما كان يسميها محمد عبده اختلط مفهومها بمفهوم القصة، ومفهوم المسرحية، التي كانوا يطلقون عليها اسم رواية أيضاً. والنقاشات التي دارت في مطلع هذا القرن، وحتى بداية الحرب العالمية الثانية، حول الرواية، كانت بين فريقين، مؤيد ومعارض، وقد استخدم الفريق المعارض، كما سيأتي، أشد النعوت، وأقذع السباب، وأوقح الاتهامات، ضد الفريق المؤيد. ولم يستقر وضع الرواية، بوصفه جنساً أدبياً فرض نفسه على الساحة الأدبية، إلا عند نهاية النصف الأول وبداية النصف الثاني من القرن العشرين، على يد نجيب محفوظ الذي كان مؤسساً للرواية العربية بامتياز، مستفيداً من المحاولات الروائية السابقة والرائدة، مثل رواية (زينب) لمحمد حسين هيكل، و(الأجنحة المتكسرة) لجبران خليل جبران، هاتين الروايتين اللتين توفر فيهما، إلى حد متقدم، المستوى الفني للرواية، بعد أن كانت الروايات السابقة كروايات فرنسيس المراش وغيره، ضرباً من الحكاية التي محورها الموعظة الأخلاقية والاجتماعية لا أكثر.

إن نضال الرواية، لإثبات وجودها، ولترسيخ جذورها في التربة الأدبية العربية، ترافق مع ثورة 1919 في مصر، وما تلاها من تحول اجتماعي منذ عشرينيات القرن الماضي، وكان التغيير الأبرز الذي أحدثته الرواية، هو التغيير في اللغة السائدة آنذاك، وهو تغيير عميق، شامل، استدعته الضرورة، وفرضته الضرورة أيضاً، ما دامت اللغة هي وسيلة التعبير بالنسبة للروائي، سواء في طرح رؤيته الاجتماعية، أو رؤيته الإنسانية، أو قول ما يريد أن يقول، وتوصيله إلى الناس في قالب أدبي جديد وغير مألوف.

ومع هيكل وجبران، وكذلك مع روايات جورج زيدان ومعروف الأرناؤوط التاريخية، تغير أيضاً أسلوب التناول الروائي. انتفى، تدريجياً، الأسلوب الشكلي البحت، وتراجعت الشكلانية بوصفها منهجاً مغرقاً في الحذلقة، همه اصطفاف الكلمات، أو توليدها نحتياً، وإبقاء المضمون مغيباً، والاشتغال على الشكل غاية في ذاته، وغاية ترمي إلى النأي عن الواقع والحياة، وما في مقاربتهما من حرج.

ورغم أن روايات ذات اتجاه واقعي سبقت روايات نجيب محفوظ، إلا أن هذا الاتجاه انتزع الاعتراف به، واستقر في نظرية الرواية العربية، مع نجيب محفوظ نفسه، الذي قدم شهادة على صحة هذا الاتجاه، وعلو سويته الفنية، في روايته (زقاق المدق) التي مالبثت أن عززت اتجاهها هذا رواية (الأرض) لعبد الرحمن الشرقاوي، وغيرها من الروايات التي صدرت في سورية وقبل ذلك في لبنان، مثل رواية (الرغيف) لتوفيق يوسف عواد، التي كانت رائدة في التبشير بالاتجاه الواقعي منذ الثلاثينيات.

ومع صدور رواية (الرغيف) ثم روايات (زقاق المدق) (خان الخليلي) (القاهرة الجديدة) و(الأرض) و(المصابيح الزرق) تأصَّل وتجذر الاتجاه الواقعي في الرواية، الذي أثبت:

1.        امتلاك الرواية العربية لهويتها.

2.        امتلاك الرواية العربية لرؤيتها الاجتماعية الإنسانية.

3.   طواعية اللغة العربية لفن الرواية، ودحض كل المزاعم السابقة عن أن هذه اللغة تقف عائقاً في وجه تطور الرواية والقصة والمسرحية، والأجناس الأدبية الجديدة، التي فرضت سلسلتها الثقافية عندما حطمت وطردت إلى الأبد السلسلة الثقافية القديمة، سلسلة المقامة والسيرة والحكاية.. إلخ.

ويصف زكي مبارك كتَّاب القصة بأنهم (ينتمون إلى الطبقة الدنيا من الأدباء، وبأنه من النادر أن يكون بينهم من ظفر بثقافة أدبية وافرة تبيح له أن يكون ذا رأي خاص أو أسلوب طريف، وبأنهم عالة على الآداب الأجنبية. ويمعن مصطفى صادق الرافعي، في عدائه للقصة ـ الرواية، في كثير من مقالاته، وهو يحدد رأيه عام 1934 في مجلة (الرسالة) في جواب على سؤال: (لماذا لم تكتب القصة؟)، وتحت العنوان التالي: (فلسفة القصة ولماذا لا أكتب فيها؟) قائلاً: (شاع أدب القصة في أوربا، وطغى عندهم على المقالة، والكتاب وديوان الشعر جميعاً، فقام عندنا المتابعون في الرأي أو المقلدون في الهوى، والضعفاء بطبيعة التقليد والمتابعة، قاموا يدعون إلى هذا الفن من الكتابة، ولا يرون من لا يكتب فيه إلا مدْبراً عن عصره وأدبه، ولا جرم إذا كانوا هم أنفسهم مدبرين عن الحقيقة ومعنى الحقيقة.. أنا لا أعبأ بالمظاهر والأعراض التي يأتي بها يوم وينسخها آخر. والقبلة التي أتجه إليها في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا أكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد في حياتها سمواً، ويمكن لفضائلها وخصائصها في الحياة، ولذا لا أمسُّ من الآداب إلا نواحيها العليا، ثم إنه يخيل إليّ دائماً أنني رسول لغوي بُعث للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه، متحاشياً أن أنقل إلى كتابتي دواب الأرض أو دواب الناس أو دواب الحوادث..).

ويكتب أحمد حسن الزيات، صاحب (الرسالة) عام 1937، الآتي: (وستظل (مجلة الرسالة) تنقل خطاها الوئيدة السديدة المتزنة على ما رسمته لها كرامة الجنس وطبيعة البيئة وحاجة الثقافة. لا تتخذ لهو الحديث ولا تصطنع خوادع الحس ولا تتعلق شهوات الأنفس. وأصدقاؤها ـ والحمد لله والشكر لهم ـ ليسوا على هذه الخشونة فلا يريدون أن تخطر في وشي، ولا أن تُطرى في كلام، ولا أن تميل إلى هوى العافية. حتى أبوا كل الإباء أن يتسع فيها مجال القصص.
ثلاثة من كبار كتاب الثلاثينيات فما فوق، ومن أبرز مجايليهم، يرفضون القصة ـ الرواية، ويرمونها بالسفه من الكلام، وينعتون الآخذين بها، والعاملين على فنها، نعوتاً قبيحة، فيها افتقار إلى اللياقة، والحس السليم، والذوق الذي ينبغي أن يتحلى به صغار الكتاب، فكيف بالكبار منهم! فما هو دافعهم إلى ذلك؟ ولماذا هذا التعنت حيال جنس أدبي جديد، وهذا الهراء في الحملة عليه؟ أحدهم، العقاد، الذي سيعود هو نفسه، ويحاول كتابة الرواية دون نجاح، يكشف لنا طرفاً من الستر الذي وراءه تتلطى دوافعهم، حين يعلن أن القصة تنشر أفكاراً اجتماعية يصفها بالهدامة، ويتجاوز التلميح إلى التصريح بعد ذلك، فيقول إن (القصة تروج للشيوعية). أما مصطفى صادق الرافعي، فإنه ينطلق في معاداة الرواية من منطلق فيه خبث، فيه تدجيل، حين يعلن أنه إنما يفعل ذلك غيرة على (النفس الشرقية في دينها وفضائلها). ويتلطف أحمد حسن الزيات، متوارياً وراء مجلته (الرسالة) التي (لا تتخذ لهو الحديث ولا تصطنع خوادع الحس) برفض القصة رفضاً فيه حذلقة، زاعماً أن أصدقاء المجلة (أبوا كل الإباء أن يتسع فيها مجال القصص). والحقيقة أن هؤلاء الكتاب وغيرهم كانوا يعادون القصة ـ الرواية لأنها اجترأت على اللغة المحنطة ففكت أكفانها، وبعثتها من مرقدها، ونزلت بها إلى أوساط الناس، وعبرت بوساطتها عن همومهم ومشاكلهم، ولأنها ـ القصة ـ الرواية ـ كانت تحمل رؤية جديدة إلى العالم، وتؤدي وظيفة اجتماعية ذات أثر في تنبيه المجتمعات العربية وإيقاظها من سبات الأضاليل والخرافات وتحريرها من أغلال القديم والمألوف، وتحريرها تالياً من الخضوع المطلق للحكام والظالمين.

زيادة على ذلك، ومن الناحية الشكلية الصرف، كان العقاد يقاوم القصة لأنها تخرج عن إطار المقالة التي أخذ بها ويضيق بها مصطفى صادق الرافعي بسبب من أنها تهدم صنعته البائسة في المنحوتة اللغوية، هو الذي كان يعدّ نفسه (رسولاً لغوياً) إلى العالم. ويترفع عنها أحمد حسن الزيات لأنها تجعل بلاغته بدداً، ومع هؤلاء كان يقف آخرون، أزهريون، وتقليديون ومتحذلقون، ومتحجرون لغة وفكراً. غير أن موجة التجديد اللغوي، المطلوبة لذاتها انسجاماً مع تغيرات العصر، والمستدعاة بحكم الضرورة بسبب الأجناس الأدبية المغايرة للأجناس السائدة والبائدة في الأدب، سرعان ما انتصرت في هذه المعركة، التي استغرقت النصف الأول من القرن العشرين. ويأتي الزمن الذي تصبح فيه القصة ـ الرواية، بلغتها الخاصة، سيدة الموقف، حتى إن التحول نحوها يصبح تياراً جارفاً، يصفه مارون عبود بهذه الكلمات التي تلخص الرد التاريخي على المتزمتين: (كان أكبر همِّ الأديب، فيما مضى، أن يكون شاعراً، أما أقصى ما يروم اليوم فهو أن يحصى في عداد القصيين).

إن الفترة بين عامي 1927 و1952 ليست شيئاً في حساب الزمن، لكنها بالنسبة لمعركة القصة ـ الرواية ـ بين مؤيديها ومعارضيها، كانت كافية لأن تقلب المفاهيم، إذا ما استرجعنا  قول يحيى حقي عام 1927 (أما في مصر فالقصة المطولة (الرواية) لم تولد بعد)، وقارناه بما قاله مارون عبود عام 1952 ولاحظنا أن الكتاب العرب تسابقوا في العقد التالي لكلام يحيى حقي، إلى ممارسة كتابة القصة الرواية وعلى نحو متواتر السرعة. فقد صدرت الروايات الرائدة، والمبكرة زمنياً، حسب التواريخ التالية: (جناية أوربا على نفسها) لأحمد فتحي عام 1906، (عذراء دانشواي) لمحمود طاهر حقي عام 1906، (الأجنحة المتكسرة) لجبران خليل جبران عام 1912، (زينب) لمحمد حسين هيكل عام 1914، (جلال خالد) لمحمود أحمد السيد 1928، (الرغيف) لتوفيق يوسف عواد 1936، إضافة إلى قصص محمد تيمور ومحمود تيمور التي تعود إلى العشرينيات وما بعدها؟

هكذا اخترقت القصة ـ الرواية جدار الزمن الكتيم، وأحدثت شرخاً كبيراً في السلسلة الثقافية القديمة، بتقديمها نظرة اجتماعية جديدة للعالم، لم تكن مجرد إعلان فكري، بل صياغة قصصية روائية فنية وفكرية معاً، ترتكز إلى التخييل الذي ينتمي إلى ثقافة وبيئة، وزمان ومكان، وهي العناصر التي كانت مغيبة في السابق، فصار لها حضور، واعتماد، وأسس واضحة في النمط الروائي الجديد ذي الوظيفة الاجتماعية التنويرية، التي استعلنت معها عملية تاريخية كاملة، استولدت رؤية جديدة للعالم، حلّت محل الرؤية القديمة، على مستوى اللغة والشكل والمضمون .

لكن ماذا بالنسبة إليَّ كروائي عربي؟ وماذا أعطاني عصر النهضة في مرحلته المتأخرة نسبياً، مرحلة النصف الأول من هذا القرن؟ في الجواب لا يكفي القول إنه أعطاني الرواية، هذا النمط الأدبي الجديد، الثوري بامتياز، ما دام كل ما هو جديد أو حديث ثوري بالضرورة. إن الجواب، على هذا النحو، فيه ابتسار، والجواب، على نحو مفصل، فيه تطويل، لذلك سأجمل الكلام في نقاط محددة، هي التالية:

1.              دخلت ُعالم الأدب من باب القصة والرواية، وكان دخولي هذا اضطرارياً، لأنني، كما هو معروف عني، تتلمذت على المطالعة، خارج كل تحصيل مدرسي، وكانت القصة والرواية سبباً في إقبالي على هذه المطالعة وشغفي بها.

2.              فتَّحت القصة والرواية عينيَّ على عوالم اجتماعية لم أكن لأنتبه إليها، أو أرصدها، أو أتتبّعها بالملاحظة المستمرة، وكان عليَّ، لفهم هذه العوالم الاجتماعية، أن أقرأ غير القصة والرواية، وأن أمتلك مفهوماً عن العالم، وبهذا الدافع تنوعت قراءاتي واتسعت، فاغتنتْ ثقافتي بالمعرفة في شقيها: الكتب والناس.

3.              نبّهتنْي القصة والرواية إلى مسألة مهمة جداً، كان لها تأثير حاسم في تكوني الروائي، وهي مسألة معرفة البيئة، وتخصيصاً البيئة البحرية، ثم البيئة الريفية.

4.              أنقذتني لغة الرواية من الإيغال في لغة البلاغة التي أُخذتُ بها أولاً. وأذكر بهذه المناسبة أنني، في بدء شبابي، قرأتُ حتى الحفظ كتاب (الألفاظ الكتابية) للهمذاني، ثم كان عليَّ، أن أقرأ من جديد، لأنسى هذه المرة. وحكاية الحفظ والنسيان، وضرورتهما معروفة ومشهورة، وهي تؤهل الشاعر لامتلاك عدته، والكاتب شخصيته بذاتيتها المتميزة.

5.              ساعدتني الرواية، وما ثار قبلها وبعدها من جدل حول اللغة، أن أفهم أن لكل بيئة لغتها البيئية، أي مفرداتها اللغوية المحلية. إن كل كلمة عامية لها جذر بالفصحى، وقد استطعت بمعرفتي للبيئة ومفرداتها أن أدير الحوار بالفصحى التي تحسبها من العامية وهي ليست كذلك، وفي الدعوة التي راجت، والمعركة التي اشتدت، بين أنصار الفصحى والعامية، منذ بداية القرن حتى الستينيات منه، كنت إلى جانب الكتابة بالفصحى سرداً وحواراً، ونجحت في ذلك. ونجاحي، إلى جانب نجاحات كتاب آخرين، شيخهم مارون عبود، يقدم إسهاماً في تطوير اللغة العربية، وتحريرها من جمودها مع الحفاظ على أصالة بينتها أن تتناهبها، وتغيّبها، اللهجات المحلية لكل قطر عربي، فظلت الفصحى هي المعتمدة، وراحت اللهجة المحلية المحكية تقترب من اللغة المكتوبة، وهذا عائد إلى انتشار التعليم، وشيوع الثقافة، عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، مما حفظ لغتنا التي هي أحد مقومات قوميتنا العربية، وسبب أساس في تكون أمتنا العربية.

6.              كانت الرواية، بالنسبة لي، معطى كبيراً لعصر النهضة، أمدّني بالقدرة المطاوعة على قول ما أريد، من خلال الحدث، وبدلاته، دون اللجوء إلى الصراخ أو الافتعال، ودون أن أقارب المقالة وأنا أكتب القصة، أو الدراسة وأنا أكتب الرواية.

7.              الرواية هي عطاء عصر النهضة، بما كان لعصر النهضة من انفتاح على الغرب، والترجمة لأدبه، وقد بدأنا، في الوطن العربي، الأخذ بالرواية تعريباً، لكن طلوع البورجوازية تطلب أداته التعبيرية، فكانت الرواية، وتعثّرتْ ولادة الرواية، بصفتها ملحمة البورجوازية، مع تعثر هذه البورجوازية، وقصور مشروعها الأيديولوجي. وكان علينا، بعد ثورة 1919 المخفقة، أن نشتغل على الرواية في محاولات تجريبية، ظلت قائمة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، في بعض أقطار الوطن العربي، ومع توفيق الحكيم وطه حسين بدأت الرواية العربية بزوغاً خجولاً، ثم مع نجيب محفوظ ويحيى حقي كان تأسيسها الذي تطلب هويتها العربية بجهد تراكم فيه الكم متحولاً إلى نوع. ومنذ منتصف الأربعينيات حققت الرواية العربية، بجهد محفوظ خاصة، وجهد الروائيين المجايلين عامة، حضورها الدائم، الفاعل، وفازت بهويتها نهائياً مع ثلاثية (قصر الشوق) ثم دَشَّنتْ، مع روايات سهيل إدريس، عبد الرحمن الشرقاوي، فتحي غانم، غائب طعمة فرمان، حنا مينه وغيرهم، عهداً واقعياً جديداً، كان خلفاً للعهد الرومانسي، الذي كان أبرز ممثليه عبد الحليم عبد الله وشكيب الجابري وغيرهما.

8.              في المرحلة التالية: وعلى المهاد الواقعي نفسه، وبعد أن ترسخت الرواية بوصفها جنساً أدبياً معترفاً به، تهيأ للروائيين العرب المناخ اللازم، المدعم بالمفاهيم الروائية النظرية، أن يقوموا بنقله نحو الابتكار في الشكل، والجرأة في الطرح، فكانت روايات إبراهيم أصلان، الطيب الصالح، عبد الرحمن منيف، إميل حبيبي، جبرا إبراهيم جبرا، وغيرهم، ثم كانت روايات الجيل التالي: جمال الغيطاني، يوسف القعيد، صنع الله إبراهيم، إملي نصر الله، غادة السمان، حيدر حيدر، هاني الراهب وغيرهم أيضاً.

9.              مع استمرار العطاء الروائي لنجيب محفوظ ويحيى حقي وتوفيق يوسف عواد وغيرهم، ومع أخذ التناول الابتكاري في الأشكال الروائية، ذات المضامين الجديدة، في الحسبان، ومع تتابع أجيال الروائيين العرب، سيقيض للرواية العربية، لا أن تحقق حضوراً متميزاً على الساحة الأدبية العربية فقط، بل أن تصبح سيدة الأجناس الأدبية العربية على الإطلاق.

10.        هذه الجردة التزمينية، ليست مسوقة برغبة في تأكيد تاريخية الرواية العربية، بقدر ما هي ضرورة موضوعية، لتبيان أن الرواية التي أخذنا جنسها الأدبي عن الغرب أصلاً قد أصبحت، شكلاً ومضموناً، عربية خالصة استحقت اعتراف العالم، الذي شرع بترجمتها على نطاق يزداد اتساعاً، وتم تدشين الاعتراف بقيمتها الفنية في لقاء الروائيين العرب والفرنسيين في آذار 1988 في باريس، وفي غيره من اللقاءات والندوات الروائية في الشرق والغرب.

11.        إذا كان كل جنس أدبي جديد هو ثوري بالضرورة، فإن الرواية العربية كانت جنساً أدبياً ثورياً بامتياز، وضعت الشعب، أو العامة على مسرح الحركة الأدبية العربية. ومن هنا كان أثرها وخطرها الكبيران، وكانت مقاومتها التي بلغت حد اتهام الآخذين بها بالحمق والمرض والانحراف والكفر، فولادة الرواية العربية التي تزامنت مع مرحلة نهوض قادَتْها بورجوازية تأثرت بالغرب وظلت تابعة له، أتاحت، لأول مرة في أدبنا العربي، أن يكون الشعب نقطةً الدائرة في الطروح الروائية، واتخذت من أبناء العامة، والأحياء الفقيرة، وأفراد الطبقة الكادحة، ومن الأرياف والعمال الزراعيين، وحتى عمال التراحيل، نماذج لها، دافعة، على هذا النحو، الناس إلى مركز اهتمام الأدباء، بعد أن كان الشعر، سيد مرحلة ما قبل الرواية والقصة، مبعداً عن مثل هذه الاهتمامات، وما كان في وسعه أن يقدم رؤية اجتماعية متكاملة، لأنه حصر اهتمامه، تاريخياً، بالملوك والأمراء والأغنياء، والبلاطات والدور والقصور، ومناسبات البيعة والمبايعة والتتويج والرثاء والمديح وما شابهها من أغراض الشعر العمودي الكلاسيكي. لكن علينا، ههنا، ألا نغفل الحضور الوطني لهذا الشعر، في مراحل الكفاح الوطني لأجل الاستقلال وإجلاء الجيوش الأجنبية والتحريض على الثورة الوطنية. إن الرواية تعني، وتساوي، رؤية شعبية اجتماعية، ومعها فقط، حسب باختين، طفق دور الشعب يظهر في التاريخ الحديث، فكانت الرواية متأثرة به في حالة الإظهار، ومؤثرة فيه في حالة تظهير قضاياه وطرحها ومعالجتها.

لهذا كله، أنا مدين، كروائي، لعصر النهضة، لغة وشكلاً ومضموناً، ودون ميل إلى المغالاة يمكنني التأكيد، أن كل روائي عربي مدين لهذا العصر في الشغل على جنس الرواية، وفي لعب دور الناقد الاجتماعي، والمستأنف الأدبي ضد الحاضر، من خلالها. وهذا يضع أمامنا مهمة فائقة الأهمية، هي العودة إلى الكلام على عصر النهضة، بنشر عطاءاته الفكرية وإبداعاته الأدبية. وتسليط الأضواء على دوره الهام، وذلك من منطلق استعادته، لا إعادته، فجوهر المشكلة يكمن في أخذ إضافة هذا العصر، وتطويرها، بعد دراستها جدياً، واستئناف شوطها، إذا ما أردنا الشروع بإنتاج معرفة تنويرية، تطرحها وتلح في طرحها، ظروف راهنة، يتكون فيها العقل العربي، وعلينا أن نسهم في تكونيه علمياً، وتخليصه من الأوهام والأضاليل والخرافات والأخطبوطات الملساء ذات الأذرع المتعددة، المتوفزة، للفكر الرجعي، الظلامي، التي تستغل استياء الإنسان العربي المشروع من أوضاع سياسية واجتماعية متردية، فتوقعه في عنكبوتية مشروعها الارتدادي نحو عصور التزمت، والقمع، الذي عنوانه الرمي بالزندقة، ونصب محاكم التفتيش، وحمي تنانير الحرق للمفكرين والأدباء لعرب، وكل المستنيرين الذين ينتجون فكراً جديداً، أو يستلهمون هذا الفكر الجديد، ويناصرون الحداثة التي تقرع طبول الحرب عليها من قبل الأصوليين.

إذن عصر النهضة لم يعطنا أجناساً أدبية جديدة فحسب، بل أعطانا كذلك لغة عربية متطورة، ومطاوعة، قادرة على مدّنا بطاقة التعبير، وبالمرونة اللازمة لحمل أساليب كتابة جديدة، كتابة عصرنا الراهن، بلغة حية، غنية، تنتفي من معجمها تلك الكلمات القاموسية المحنطة، وذلك الترادف الإيقاعي في الجمل ذات المفردات المتعددة، الدالة على معنى واحد، فقير، مكرور. وتتيح لهذه اللغة أن تتخلص من عيوبها السجعية والبلاغية.

بكلمة:

أعطانا عصر النهضة لغة الحياة، وأدبالحياة، والرؤية الاجتماعية الإنسانية التي تنبني على فهم الواقع، وتعمل علىتغييره.