سوريا منجم إبداع .. وستبقى كذلك

حنا مينه قرأها 8
  

يستحق حنا مينه أكثر من تكريم، كماً ونوعاً، فالرجل دخل عامه الثاني والثمانين بنحو خمسة وأربعين كتاباً، رافعاً المهمَّشين في الأرض إلى مستوى البطولة مع مرتبة الشرف. وكان حنا على امتداد أكثر من نصف قرن من الإبداع يوجز بحبره أعمارنا، يلملم بين طيَّات كتبه ملامحنا الشخصية، ليصوغ من فسيفسائها الوطن. ولأنه كان مبدعاً بحجم هذا الوطن، كان من الصعب على ندوة تكريمية محدودة الزمان والمكان، أن تحيط بحنا مينه المبدع..

إذ يصعب علينا أن نؤطِّر الحياة بكلمات، أمّا وقد فعلناها، وحاولنا مجدداً تكريم حنا، فيكفينا منه أن يكون وسطنا، يكرّمنا حضورُه، كما كرّمنا إبداعُه من قبل.

وفي محاولة التكريم بدا الرجل الثمانينيُّ حنا أكثر تواضعاً، تكلّم في حفل الافتتاح بحبٍّ، قلّب أوراقه كثيراً، ليبدأ كلمته شاكراً وينهيها بالشكر ذاتا، رافعاً صوته بقناعة (سورية منجم إبداع.. وستبقى هكذا).

كان وزير الثقافة الدكتور رياض نعسان آغا قد سبق حنا إلى المنصة، ليرتجل كلمة حب للمكرَّم من خلف منبرها، رسم منها تضاريس الرواية كما كتبها حنا، معلناً في نهاية كلمته المرتجلة: (حنا فتى خرج من سلطان القهر ليصبح سيد الإبداع). وبينما رأىimage001.jpg رئيس اتحاد الكتاب د. حسين جمعة أن الكُتَّاب مكرَّمون بتكريم حنا، وقف صديق الدرب شوقي بغدادي على حافة السؤال: (ما عساي أن أغرف من خزَّان ذكرياتي الطافح عنه شخصاً وأديباً..؟)، ولأن شوقي اختار أن يتحدث عن حنا الإنسان، كنا على موعد مع تفاصيل حارة وحميميّة عن حنا أمتعتنا.

ومع بدء أعمال الندوة النقدية التكريمية لحنا مينه تقدمتْ أبحاثُ المشاركين في الندوة لتضيء جوانب مهمة في أدب حنا وإبداعه، وإلى جانبها تقدمت (النور) لتسأل عدداً من المشاركين كيف يرون حنا، أديباً وإنساناً..، فكانت شهادات الحب التالية.. (شوقي بغدادي، سهيل إدريس، وآخرون) ..

كلمة حنا مينه: في البدء كانت الكلمة والتضحية، وستبقيان

إن الأنق في الجمال يكون، وفي الكلمة، منضدةً، يكون أيضاً، وما الكلمة إلا الفعل، والفعل، في التكوين، هو الإنسان. هذا الذي به، ومعه، تصدح الدنيا بفخر لا حدّ له، متمجِّدة به، ممجِّدة له، أزلاً أبداً، لأنه والقلم صنوان، (.. اقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم) فهو الإنسان، العوسَجة الملتهبة التي عندها، مباركة، نخلع النعلين احتراماً لأمنا الأرض. وهو الشمعة التي، منيرة مستنيرة، توضع في المشكاة لا تحت المكيال، وهو، في الهتفة العذراء، المنزلة، تطلب العلم ولو في الصين، وبالتضحية، على اسم الحق، تفيّأ الإنسان بإذن ربه، سِدرةَ المنتهى!

قلت، سابقاً، أنا لا أملك يداً سحرية تقطف النجوم، وأصابعي التي هي أغصان شجرة مرجانية، منسية في قاع البحر الأحمر، لا تورق كزهور الثلج. وأضيف اليوم، أن حروفي منذورة لدمي، الذي نزف في مواقف خطواتي على درب الشقاء الطويل! نعم! درب الشقاء الطويل، الذي أباركه لأنه صاغني، من حبة رمل على شاطئ مهجور، إلى حجرٍ منمنم، أو إلى حصاة مدورة، لكثرة ما تأنق الموج في تقبيلها، ليجعل منها حصاة متشكلة بريشة فنان، أو مستنيرة بمفردة شاعر، أو، ربما، مصوغة بإزميل نحات ماهر.

هكذا كُتب عليَّ أن أشقى، وماهم؟، الشقاء هو الذي صقل يراعتي، وما كنت، في أيما يوم من يفاعتي، أحلم أن تكون لي يراعة، وتالياً كلمة مكتوبة، لأنني بالخطأ ولدت، وبالخطأ نشأت، وبالخطأ كتبت أيضاً. ومن يدري؟ فقد أموت بالخطأ أيضاً، وعندئذٍ تنغلق الدائرة السعيدة، شرط ألا يتأخر انغلاقها، فأمسي في التعساء، سأماً من حياة عشقتها ولمّا أزل.

لقد باركت، عمري كله، أصابع اليد، فهي الإبداع في كل ألوانه، ولئن عجزت أصابعي أن تقطف النجوم، فإنها خطَّت الحروف، والحرف، في دلالته البهية، هو الذي أعطى النجمة بهاءها، وأعطى غصن المرجان أن يورق ويثمر، ولما لم تكن لي حبيبة أهديها نجماً، أو أقدم لها غصن مرجان عندمي الثمر، أضعت عمري، واختلَّ توازني النفسي، ولم أجد سبيلاً إلى خلاص روحي المجرَّحة بالألم، إلا بخربشة الحكايات على الورق، ولعلكم، أو بعضكم على الأقل، قرأ، مشكوراً، بعض حكاياتي، أو بعض قصصي، وهذا حسبي، فأنا قاصٌّ روائي، إذا ما كان زعمي، وزعمكم أيضاً، صحيحاً في هذه التسمية، أما التنظير للقصة أو الرواية، فليس لي فيه شبرٌ أو فترٌ، وإنما رأي يُرى.

قلت في البدء كانت الكلمة، وبها معطرة، مندَّاة، أرفع التحية إلى السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد، عرفاناً وامتناناً، لما أفاء به من تكريم الأدباء والمبدعين، بمنحهم وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة، في بادرة لا سابقة ولا لاحقة لها. كما أعلم، في دورات متتابعة، متلاحقة، مستمرة، بعد أن أخذ، وهو الخلف الصالح، للسلف الصالح العظيم الراحل الرئيس حافظ الأسد، بالتعددية السياسية، في إطار الجبهة الوطنية التقدمية، فأعطى، ترجمة لهذه التعددية، لكل من أحزابها صحيفة ومنبراً، وهذا العطاء مميزاً كان، وبقي مميزاً في الوطن العربي الكبير كله.

ثم أشكر الصديق، بل الأخ، الدكتور رياض نعسان آغا، راعي هذه الاحتفالية البهيجة، المقامة تكريماً للأدب بعامة، وللأدباء السوريين والعرب بخاصة، عبر شخصي المياسر للتواضع، باعتباري شيخ هؤلاء المبدعين، في العمر الذي نيّف على الثانية والثمانين، لا في الفن الذي نتقاسم رغيفه الساخن كمودّات القلوب، قسمة عدلٍ، على جناح غمامة تنتظم البلاد، كما رغب لها المعلم المعري، وهو على الحصير وكوز الماء يرفده، وفكره ورفوف تحمل الكتب.

ولا يفوتني، بهذه المناسبة السعيدة بالنسبة إلي، والمشكورة شكراً جزيلاً بالنسبة لجميع من أسهم في الإعداد لها، وإخراجها الإخراج اللائق، لا يفوتني أن أشكر الصديق العزيز الدكتور محسن بلال وزير الإعلام، الذي بإشرافه قامت كل وسائل الإعلام السورية، بتغطية احتفالية التكريم تغطية شاملة وجيدة جداً، تردَّد صداها الطيب في كل جارحة من جوارح قرائي والمحبين للإبداع في سورية العزيزة.

أيها الإخوة الحضور، أيها الزملاء الأعزاء

كنتم ببالي فاشتممتُ الشذى      فيه تُرى كنتم ببال الورود؟

 إننا نحلم، وتحلم بنا، ومعنا، الدنيا كلها، ونتضوَّع غالية (أخلاط من الطيب)، صانعين الأحلام حتى لا نسقط في العدم، وتلك مهنة الحرف المقدس الذي في محيطه نجتمع، وبعروته الوثقى نتمسّك، مستأنفين أبداً ضد ما هو كائن، في سبيل الأفضل الذي سيكون، عاملين، مُجدِّين، في سبيل الحق والخير والجمال.

إن الحرية أثمن من الخبز، ونستزيد منها حتى ولو رتعنا بها، وهذه الحرية التي نحن في طلابها بغير ونى، بغير تردد، تكون، في النقد البنَّاء، لصالح الوطن والشعب، وتعود عليهما بالنفع الجزيل، وتعود على الناس، ناسنا، بما ينفع، وما ينفع يمكث في الأرض، (أمّا الزبدُ فيذهبُ جُفاءً).

يا مَنْ سقانا كؤوسَ الهجرِ مترعةً        بكى بساطُ الهوى لمّا طويناهُ

حنا مينه، سيداتي وسادتي، طوى بساط الهوى، فالهوى وما أحبّه وأعلاه وأغلاه، انتقل منه إلى كتبه، إلى رواياته التي بلغت حتىimage004.jpg هذه السنة، خمساً وأربعين رواية، ثماني عشرة منها مترجمة إلى كل لغات العالم، تسفر لنا عند غيرنا، فالرواية، كما تعلمون، خير سفارة. فما دام للأمم جميعاً حضور أدبي عندنا، يحسن بنا، بل يفترض فينا، أن يكون لنا حضور أدبي عندها، وهذا ما نفعله نحن الكتاب العرب، في كل بلادنا العربية وغيرها، التزاماً منا، ووفاء لأسلافنا، في أن نكون رسل معرفة، رسل حضارة كما كانوا، آخذين بكل جديد، في الفكر والفن، مجاراةًَ للتقدم، للتغيير الذي ينفي السكون.

لقد كانت سورية، قديماً وحديثاً، منجم إبداع، منبر إشعاع، وستبقى كذلك ما بقي الزمان، في كتلته السائلة بنا إلى أمام، هي البوصلة التي نهتدي بها، وفي وهج يراعاتنا، المدلاة كعناقيد المجرة ألقاً، نمضي جماعة، عارفين، مقدِّرين دور الفرد في التاريخ، إذا ما كان هذا الفرد على اتِّساق ومجرى التاريخ، في انسيابه الدائم إلى غاياته المثلى.

لا أميل، في احتفالية الحرف، إلى التعداد، إلى الأرقام، إلى ذكر أسماء المبدعين وهي كثيرة جداً، في سفر إبداعاتنا التي منها حضارتنا، وما أفاءت على الدنيا، عبر أندلسنا، من حضارة باذخة أخذها الغرب وانتفع بها، ثم طوَّرها، باعتبار أن المعرفة ضالة المؤمن، التقطها حيث وجدها. إنما أؤكد، ختاماً، ما هو مؤكد، ذاكراً قيلة ألبير كامو (وعرفت ما كنت أعرفه مرة أخرى). وهو أن سورية منجم إبداع، سورية منجم إبداع، سورية منجم إبداع، وشكراً