عصر النَّهضة روائياً (1 من 3)

حنا مينه قرأها 4
 

نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ            أطويلٌ طريقُنا أم يطولُ؟

وكثيرٌ من السؤال اشتياقٌ            وكثيرٌ من ردّه تعليــلُ

غاية هذه المشاركة في الكلام على عصر النهضة، وتخصيصاً في المئة عام الممتدة بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، ليست الدراسة، أو البحث، أو النظر في المشروع الإبداعي، أو التحليل الاجتماعي والأدبي، فهذه المقاربات متروكة لمن يستطيعونها: قصدتُ الباحثين المتخصصين الذين يتناولون عصر النهضة، منذ غزو القوات الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت لمصر، وما استتبع ذلك من دخول المطبعة، أو التعامل مع المطبعة، باعتبارها نقلة كبيرة في صناعة الصحيفة والكتاب، وتالياً الفكر، ثم حكم محمد علي باشا الكبير، والبعثات التي أوفدها إلى أوربا، وإلى فرنسا تحديداً، وعودة أعضاء هذه البعثات برؤى جديدة، وأفكار جديدة، على نحو ما فعل رفاعة الطهطاوي في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريس) الذي أراد منه نقل مشاهداته في بلاد الفرنسيس، متضمنة آراء في هذه المشاهدات، ووضعها في متناول القراء المصريين والعرب، ليفتح العيون، وينبه الأذهان، ويسهم في قيادة عصر النهضة العربية الذي سيقطع، تدريجياً، السلسلة الثقافية السائدة، نتيجة انقطاع السلسلة الاجتماعية القائمة، بما طرأ عليها من إرهاصات الفكر البورجوازي، وما تبعه من تكونات البنى البورجوازية، التي ستخوض، منذ ذاك، نضالاً طويلاً، خفياً ومعلناً، لإنضاج عملية انزياح الإقطاع، بأفكاره وتقاليده، وببناه التحتية، من ملكية الأرض إلى حيازة الصناعة الحرفية الصغيرة واحتكارها، والتمسك بكل تخلف الحياة الزراعية، وما نشأ عن ذلك من إفرازات ومعوقات النمو الاجتماعي، التي كان لها معادلها في النمو الثقافي، إذ سادت ظروف تحجر الفكر وانحطاطه، ومحاربة الجديد، والتشبث بالقديم ليبقى قديماً وسائداً.

إنني، في هذه الصفحات القليلة، أرغب في الكلام على عصر النهضة، من جانب واحد، هو جانب انقطاع السلسلة الثقافية القديمة، وقيام سلسلة ثقافية جديدة، كانت القصة والرواية والمسرحية من نتاجاتها، وكانت هذه النتاجات، بالأجناس الأدبية الجديدة التي تخلقت في ظروفها، انتصاراً على الصعيد الفكري، استدعاه التغيير على الصعيد الاجتماعي، الذي سمح بتبدلات اقتصادية مهمة، برزت في مطلع القرن العشرين، وكانت ثورة عام 1919 في مصر ذروتها، والتعبير السياسي عنها.

والسؤال المحدَّد الذي أطرحه، وأحاول الإجابة عنه، في الحدود التي أشرت إليها، هو التالي: ماذا يعني عصر النهضة بالنسبة لي كروائي؟ وفي الجواب أقول: لو لم يكن عصر النهضة العربية، لما كانت الرواية العربية، فهذا الجنس الأدبي الذي هو وليد عصر البرجوازية الأوربية، وملحمتها أيضاً حسب جورج لوكاتش، وليد البورجوازية العربية، فهل قيض للبورجوازية العربية، خاصة في مصر، أن تستوفي شروطها، أي أن تلعب دورها الاقتصادي، بالقطع مع المركز الاقتصادي الرأسمالي العالمي، وأن تسير، في نمط إنتاجها، في خط مستقل، وفي بناء اقتصادي متكامل، يتطلب أيديولوجيته، ويصوغها، ويبرز فلاسفتها ومفكريها وكتابها، على نحو ما حدث في أوربا تماماً؟ ما حدث كان العكس، إذ لم تقطع البورجوازية العربية مع المركز الاقتصادي الرأسمالي العالمي. ظلت تابعة له في نمط إنتاجها الكولنيالي، مشدودة بأسباب سلطتها إلى الرأسمالية العالمية، مسخرة لخدمة مشاريعها، وبذلك تخلت البورجوازية العربية عن دورها النهضوي، عن استقلالها. وفشلت في أن تمتلك اقتصادها الوطني، وفقدت إمكانية الاستمرار في صعودها، وفي صياغة أيديولوجيتها، إثر ثورة 1919، التي انتهت بمصر إلى الوقوع، أكثر فأكثر، نتيجة المديونية، في قبضة الاحتلال الإنكليزي. واشتدت هذه القبضة، مع الخديوي إسماعيل إحكاماً، وأمعنت في الصناعة المصرية الناشئة تخريباً، وفي تفتيت البورجوازية الوطنية وتمزيقها، وتقسيمها إلى كتل متناحرة، بين مؤيدة للقصر ومعارضة له، ومتعاونة مع الاحتلال الإنكليزي، ومقاومة له. مما أدى إلى فشل المشروع النهضوي الفكري، بسبب فشل المشروع النهضوي البورجوازي الاقتصادي والاجتماعي، وارتهانه للغرب.

على هذا النحو، انقطع المجرى، بين أوائل مفكري عصر النهضة العربية، أمثال محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني، وبين عبد الله النديم وقاسم أمين ولطفي السيد والشيخ عبد الرازق ومن جايلهم من طه حسين إلى سلامة موسى وغيره.

وإذا كان علينا، الآن، أن نعود إلى دراسة عصر النهضة العربية، اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً، وامتلاكه معرفياً، لإعادة إنتاجه ثقافياً في ظروفنا الحاضرة، وفي ضوء المعرفة التي صارت إلينا من رواده، فإن علينا أن نبحث عن أطراف الخيوط الفكرية المقطوعة، ونعيد وصلها، في ظروف جديدة راهنة، هي ظروفنا في الوطن العربي كله، ثم نستأنف السير بمشروعنا التنويري الجديد، المشروع الذي علينا أن نجند له كل طاقاتنا الإبداعية، انطلاقاً من رؤية الأشياء في ضوء جديد، هو ضوء الفكر التقدمي، الوطني والقومي. وبعبارة أصح، ضوء الفكر الاشتراكي الذي كان مغيباً أو غائباً، في المراحل الأولى للنهضة العربية، ولم نعرفه، أو نتعرف إليه، إلا مع بدايات القرن الماضي. ثم علينا أن نرى إلى السلسلة الثقافية القديمة، فندرس مكوناتها، ومقوماتها، ونتفحص مواقفها، ونحلل نتاجاتها، ونرى كيف قطعت هذه السلسلة والمعركة الفكرية التي دارت حولها، واستغرقت النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، ثم عادت الآن إلى الظهور، تحت أستار من الاتهامات والتلفيقات الكاذبة، الموجهة ضد الفكر التنويري، في مجابهته للفكر التجهيلي الظلامي.

لقد كانت السلسلة الثقافية العربية التقليدية، حتى أوائل القرن الماضي، تحتوي في جانبها الأدبي، أجناس الشعر والمقامة والرسائل والتراجم والسير وغيرها. لكن هذه السلسلة كانت، منذ أواسط القرن التاسع عشر، قد بدأت تتغير بالتزامن مع تغير تركيب المجتمع نتيجة العوامل الخارجية (أوربا) والداخلية، مجتمع الدولة العثمانية، وما كان يحدث فيه من إصلاحات وتنظيمات وحركات اجتماعية وفكرية جديدة (1)، وبتغير حلقات السلسلة التقليدية، تغيرت السلسلة كلها، حلقة بعد أخرى، وكان هذا يعني، بالضرورة، ولادة سلسلة ثقافية جديدة ذات أجناس أدبية جديدة، ومنها الرواية، التي أنا في صدد الكلام عنها.

لنلاحظ، أولاً، أن الشعر هو الذي تقدم، ليكون الجنس البديل في هذا التغيير، لكن الشعر، في ضربته المطرقية، التي حطمت حلقات الإخوانيات والتراسل واللعب اللفظي، كما في شعر عصر الانحطاط، ما لبث، أن وجه ضربة أشد وقعاً، حين أُخذ بالحداثة. هنا كان الانعطاف الأخطر، باعتبار أن التغيير حدث في قلب الشعرية، هذه التي كانت عقد السلسلة القديمة، باعتبار أن الشعر هو (ديوان العرب) ثم تفككت الحلقات، فحلت القصة محل المقامة، والمقالة محل الرسالة، والدراسات مقابل التراجم، وكانت الرواية، بما هي رؤية اجتماعية متكاملة، وبما هي جنس أدبي تطلب لغة خاصة، لغة نقيضاً للسَّجع والبلاغة، أهم قطع في السلسلة القديمة، وأهم مدماك، في بناء السلسلة الجديدة. وحولها قامت معركة أدبية، ترافقت والمعركة الاجتماعية، أو أن هذه استدعت تلك، فكان نضال بين الجديد والقديم، بين كرم ملحم كرم ومصطفى صادق الرافعي. وكان هذا النضال اجتماعياً في البنية التحتية، الاقتصادية، وكان ثقافياً في البنية الفوقية الثقافية والمعرفية.

دخول الرواية، إذن، لم يكن سهلاً، ولم يتقبله التقليديون بالمهادنة، بل شنوا عليه هجوماً ضارياً. وكانت حجتهم أن هذه (الرومان) ـ كما كانوا يسمونها ـ بدعة جاءت من الغرب. وفعلاً جاءت الرواية والقصة والمسرحية من الغرب، حين عجزت البورجوازية العربية، على نحو ما تقدم، أن تنهض على مهاد اقتصادي مستقل، وأن تتطور وتأخذ مكانتها وحجمها، وتستعلن في أدبياتها، التي تنبثق من صلبها، تعبيراً عنها، وحملاً لأيديولوجيتها.

الرواية، إذن، جنس أدبي غربي، هذا أمر أصبح بديهية بذاتها، صارت الآن خارج دائرة الجدل والنقاش. لكن الرواية، أو (الرومان) أو (الرومانيات) كما كان يسميها محمد عبده اختلط مفهومها بمفهوم القصة، ومفهوم المسرحية، التي كانوا يطلقون عليها اسم رواية أيضاً. والنقاشات التي دارت في مطلع هذا القرن، وحتى بداية الحرب العالمية الثانية، حول الرواية، كانت بين فريقين، مؤيد ومعارض، وقد استخدم الفريق المعارض، كما سيأتي، أشد النعوت، وأقذع السباب، وأوقح الاتهامات، ضد الفريق المؤيد. ولم يستقر وضع الرواية، بوصفه جنساً أدبياً فرض نفسه على الساحة الأدبية، إلا عند نهاية النصف الأول وبداية النصف الثاني من القرن العشرين، على يد نجيب محفوظ الذي كان مؤسساً للرواية العربية بامتياز، مستفيداً من المحاولات الروائية السابقة والرائدة، مثل رواية (زينب) لمحمد حسين هيكل، و(الأجنحة المتكسرة) لجبران خليل جبران، هاتين الروايتين اللتين توفر فيهما، إلى حد متقدم، المستوى الفني للرواية، بعد أن كانت الروايات السابقة كروايات فرنسيس المراش وغيره، ضرباً من الحكاية التي محورها الموعظة الأخلاقية والاجتماعية لا أكثر.

إن نضال الرواية، لإثبات وجودها، ولترسيخ جذورها في التربة الأدبية العربية، ترافق مع ثورة 1919 في مصر، وما تلاها من تحول اجتماعي منذ عشرينيات القرن الماضي، وكان التغيير الأبرز الذي أحدثته الرواية، هو التغيير في اللغة السائدة آنذاك، وهو تغيير عميق، شامل، استدعته الضرورة، وفرضته الضرورة أيضاً، ما دامت اللغة هي وسيلة التعبير بالنسبة للروائي، سواء في طرح رؤيته الاجتماعية، أو رؤيته الإنسانية، أو قول ما يريد أن يقول، وتوصيله إلى الناس في قالب أدبي جديد وغير مألوف.

ومع هيكل وجبران، وكذلك مع روايات جورج زيدان ومعروف الأرناؤوط التاريخية، تغير أيضاً أسلوب التناول الروائي. انتفى، تدريجياً، الأسلوب الشكلي البحت، وتراجعت الشكلانية بوصفها منهجاً مغرقاً في الحذلقة، همه اصطفاف الكلمات، أو توليدها نحتياً، وإبقاء المضمون مغيباً، والاشتغال على الشكل غاية في ذاته، وغاية ترمي إلى النأي عن الواقع والحياة، وما في مقاربتهما من حرج.

ورغم أن روايات ذات اتجاه واقعي سبقت روايات نجيب محفوظ، إلا أن هذا الاتجاه انتزع الاعتراف به، واستقر في نظرية الرواية العربية، مع نجيب محفوظ نفسه، الذي قدم شهادة على صحة هذا الاتجاه، وعلو سويته الفنية، في روايته (زقاق المدق) التي مالبثت أن عززت اتجاهها هذا رواية (الأرض) لعبد الرحمن الشرقاوي، وغيرها من الروايات التي صدرت في سورية وقبل ذلك في لبنان، مثل رواية (الرغيف) لتوفيق يوسف عواد، التي كانت رائدة في التبشير بالاتجاه الواقعي منذ الثلاثينيات.

ومع صدور رواية (الرغيف) ثم روايات (زقاق المدق) (خان الخليلي) (القاهرة الجديدة) و(الأرض) و(المصابيح الزرق) تأصَّل وتجذر الاتجاه الواقعي في الرواية، الذي أثبت:

1.        امتلاك الرواية العربية لهويتها.

2.        امتلاك الرواية العربية لرؤيتها الاجتماعية الإنسانية.

3.   طواعية اللغة العربية لفن الرواية، ودحض كل المزاعم السابقة عن أن هذه اللغة تقف عائقاً في وجه تطور الرواية والقصة والمسرحية، والأجناس الأدبية الجديدة، التي فرضت سلسلتها الثقافية عندما حطمت وطردت إلى الأبد السلسلة الثقافية القديمة، سلسلة المقامة والسيرة والحكاية.. إلخ.

هامش:

(1) مخطوطة كتاب (تكوين الرواية العربية ـ اللغة ورؤية العالم) لمحمدكامل الخطيب، التي تستند هذه المقالة إلى ماورد فيها من شواهد ومراجع بصورة أساسية.

عن صحيفة النور