سوق الدير - الفصل الخامس
سوق الدير
رواية
الفصل الخامس
محمد نصار
لحظة وصولنا إلى موقف حافلات بامية، كانت الحافلة الأخيرة توشك على الرحيل. نادى أبي على السائق أكثر من مرة قبل أن ينتبه لندائه.. صعدنا إليها على عجل.
بحثنا عن مكان، فلم نجد سوى مقعد تركته لأبي وبقيت واقفاً إلى أن توقفت الحافلة في يبنا، نزل عدد من الركاب وقبل أن يصعد غيرهم أخذتُ مقعداً إلى جوار أبي. مع حلول الظلام كنا نسير في شوارع المبروكة وحين دلفنا إلى الدار، كان آذان العشاء يرفع في مسجدها الوحيد، صوت أمي وهي تهدهد صغيرتها الجديدة، كان أول الواصلين إلينا، ابتسم أبي حينها وعقّب قائلاً: والله الغزالة سارحة يا حليمة.
- أبو حسين!.. أهلاً وسهلاً وميت مرحبا.
نزعتْ ثديها من فم الوليدة وهبّت لاستقبالنا.. صرخت الأخيرة بدورها، فتململت عائشة في الفراش المجاور، لم تعرها أمي اهتماماً.. أقبلت على أبي تقبل يده وجبينه، ثم ضمّتني إلى صدرها، فأحسست بالدفء.. بالأمان.. بالعافية التي عادت إليها من جديد.. علا صراخ الصغيرة بوتيرة أحدّ و كأنها تبدي امتعاضاً من سلوك لم تألفه من قبل، أو لعلها أرادت لفت الأنظار إليها، خصوصاً بعد ما تسبّب صراخها في إيقاظ مَن في البيت جميعاً..
جاءت زوجتي حاملة إبراهيم الصغير بين يديها، قبّلت يدي وجبيني، فكان الخجل من نصيبي في هذه المرة، مدت يدها لتصافح أبي، فاكتفى بالترحيب شفاهة وأقبل على حفيده يضمه إليه ويداعبه، بينما الصغير ينظر إليه بأعين متفحصة وبين الفينة والأخرى يصدر أنغاماً رتيبة من بين شفتيه المنفرجتين بما يشبه الابتسامة.
- إلحقي يا حليمة.. الولد صار يضحك ويناغي. قال أبي بكثير من الفرح والسرور.
- أذكر ربك يا رجل.. ما يحسد المال إلا صحابه. ردت أمي وهي تلقّم الصغيرة ثديها.
- خذ ابنك يا حسين ودير بالك عليه.. باين عليه لكعي من اليوم.
- لمين راح يطلع يعني؟. ردت أمي بطريقة وصل مغزاها إلى أبي، لكنه أظهر عكس ما أرادت.
- حرام عليك يا حرمة.. والله أبوه طيب وابن حلال. قال أبي وهو يضع كوفيته جانباً.
- العرق دساس.. يمكن لجده.، ردت أمي وهي تحاول إخفاء ابتسامة ترتسم على وجهها.
- كلامك معقول.. حاكم أنا عارف نسيبي، من زمان وهو عينه.. خلص ما في داعي للحكي قدام بنته.
ثم أشاح بوجهه عنها مدّعياً انشغاله بخلع الحذاء.
- له يا عمي.. والله أبوي طول عمره عدل مثل السيف. عقبت زوجتي معاتبة.
- أنا ما قلت حاجة يا عمي !.. عمتك اللي قالت طالع لجدة.
- هذا اللي الله قدرك عليه.. توقع بيني وبينها.. كأنك يعني مش جده للولد.
- غردي يا حليمة.. اشديني.. صار لك زمان ما أطربتيني.. يعني طلعت أنا المقصود يا حليمة. ردّ أبي محاولاً الظهور بمظهر الجاد في حديثه، لكن ابتسامة أمي التي عرفت بواطنه، جعلته أعجز من أن يواصل لعبته.
- أنت البركة كلها يا أبو حسين.. على الله يطلع مثلك.
- الله يسعدك يا حليمة..
- الحين ارتاح بالي. قالها وجلس إلى جوارها.. اقترب منها وراح يداعب الصغيرة في حضنها، فبدا وكأنه يداعب الاثنتين معاً، لدرجة دفعت أمي لأن تشيح بجسدها قليلاً وقد عمَّها الحرج، فما كان منه إلا أن تجاهل فعلها، الأمر الذي جعلها تبدي تمنعاً مصطنعاً.
- شوف الرجال.. قال يعني مشتاق لبنته كثير.
ثم وضعتها في حجرة وخرجت متذرعة بتجهيز العشاء. في هذه الأثناء دخل عمر عائداً من المسجد.. وضع المصحف جانباً، ثم أقبل علينا بالسلام تباعاً، بدأ بأبي أولاً وأنا من بعده رغم كوني أول من قابله عند باب الغرفة، التفت إلينا وفي عينه كلام غيبه سؤال أبي عن المختار والدروس التي يتلقاها على يديه، تلا ذلك دخول أمي حاملة طبق الطعام، فاتجهت الأنظار نحوها، انصبت على الطبق، لدرجة أن قال أبي ممازحا: بط يا حليمة!.. الحين عرفت قروشي وين راحت.
- راحت عليكم.. والله عملته من شانكم.، ردت أمي بشيء من عدم الاكتراث.
- اتقي الله يا حرمة.. هو أنت بتنجمي؟. قالها ووضع الرضيعة جانباً، ثم دنا بجسده من المائدة، فما كان منها إلا أن ردت عليه قائلة: والله الجمعة اللي فاتت ذبحت وجهزت، لكن ما كان من نصيبكم.
- صحتين وعافية يا حليمة.. ناس تأكل بط وجاج وناس تنام تحت السياج.
- يا سيدي.. مثل ما تحسبها.، ردت قاطعة الطريق عليه، فما كان منه إلا أن شمر ساعديه وقبل أن يمدها إلى الطعام التفت إلي وقال: نادي زوجتك، وأشار إلى عائشة لكي تدنو منه.، فلم يرق لها غير الجلوس في حجره، حاولت أمي منعها من ذلك، لكن إصرارها على الرفض كان أقوى من دعوة أمي لها، بيد أن نظرة من عينها على الأغراض التي جلبناها، دفعتها لترك المائدة والتوجه نحوها، عبثت في محتوياتها بأناة وروية، كأنها تبحث عن شيء بعينه،ونحن نراقبها من طرف خفي، إلى أن وقعت في يدها قطعة بسبوسة، فأشرق وجهها بابتسامة عريضة وراحت تتأملها بصمت مطبق، كأنما تريد التأكد منها، ثم أقبلت عليها تقضمها بتمهل وتلذذ حتى أتت عليها، حينها استدارت نحونا.. فقابلتها العيون بنظراتها المتفحصة.. انتابها الخجل فتركت ما بيدها وعادت لتدفن رأسها في حضن أبي وسط ضحك الجميع.
- عارفين شو اللي صار امبارح؟. قال عمر موجها الحديث إلينا.
- خير إن شاء الله؟.، قال أبي وقد توقفت أضراسه عن المضغ.
- طول روحك لحين ما أبوك يوكل.، قالت أمي بشيء من اللوم والتقريع.
- اتركي الولد يحكي يا حليمة. رد أبي بشيء من التوتر.
- هو إحنا نمنا ليلة إمبارح. قالت أمي وزفرت متنهدة.
- أحكي يا ولد وريح بالي. قال أبي بشيء من الانفعال.
- طول الليل والرصاص مثل المطر. تدخلت أمي مقاطعة.
- اسمعي يا حليمة لنشوف اللي مع الصبي. رد أبي بتذمر.
- لما الناس سألت عن اللي صار ليلة امبارح.. ثم راح يسرد تفاصيل الحكاية التي وردت على لسان المختار إثر استدعائه إلى الكمب، حيث طالبه الميجر بالمساعدة وعدم التكتم على مجموعة من الناس سطت على الكمب، نهبت سلاحاً وذخائر وغيرها من الأشياء، ثم فلت هاربة، لكن أحدهم طمع حين رأى صرّة كبيرة ملقاة في إحدى الخيام القريبة من الباب، حملها ولحق بجماعته، وبعد أمتار قليلة تحركت الصرة، فألقى بها على الأرض مذعوراً، حينها صرخت الصرة وانفرجت عن امرأة خرجت شبه عارية منها. تسمّر الرجل في مكانه مشدوها وظلَّ ينظر إليها وهي تصرخ بانفعال هستيري أيقظ الجنود الذين هرعوا نحوها، فأمسكوا بالرجل وهربت البقية. ثم بين كيف أن المختار لم يقتنع بالرواية التي قدمها الميجر، معللا ذلك بكون الرجل المعتقل أكثر الناس معرفة بشركائه إن كان له شركاء، ومن الأجدى سؤاله عنهم دون غيره من الناس، عندها شكك أحدهم بالرواية من أصلها، بل زاد في تشكيكه إلى الحد الذي دفعه إلى القول بأن السلاح المزعوم سرقته، ربما يكون الميجر قد باعه أو منحه لليهود ويريد التغطية على فعلته بشخص هذا المسكين الذي اعتقلوه، فلم يعلق المختار على ما قاله الرجل، ربما لاقتناعه بشيء منه إن لم يكن به كله، لكنه أكد واقعة الاعتقال، خصوصاً بعد ما طالبه الميجر بالتعرف على المعتقل الذي أنكر معرفته به، حينها سأله أحد الواقفين إن كان الرجل من المبروكة، فأجابه بالنفي، لكنه عاد وشكك بأن يكون مع الرجل شركاء آخرين، رغم عدم نفيه لإمكانية حدوث ذلك. قهقه أبي حتى فرت الدموع من عينيه، ثم دخل في سعال دفع أمي لأن تناوله إبريق الماء وهي تردد مستهجنة: على مهلك يا رجل.. كل هذا ضحك!.
- الله لا يوفقه.. آه لو كانوا طخوه.
- حرام عليك يا شيخ.
- حرمت عليه عيشته.. هو في حدّ يصح له صيد مثل هذا ويرميه!.
- شوفوا الرجال !.، قالت أمي مبدية استهجانها. في اليوم التالي نزل أبي إلى الدكان فوجده موصداً، توقف أمامه حائراً يعتريه الغضب، مرت لحظات بدا فيها وكأنه يحدث نفسه أو يلومها على تهاونها في إسناد الأمر إلى غير أهله، هكذا حسبته يفكر، خصوصاً حين فضحه لسانه وهمس قائلاً: باقي أهبل أنا!، ثم أحجم عن الكلام وزفر زفرة دار معها حول نفسه مطأطئا وقال بعدها موجها الحديث إلي:
- روح هات المفتاح منها وبعدين يفرجها الله.
تفاجأت المرأة بمرآي، بدا السرور واضحاً على وجهها، نفضت يدها من وعاء العجين وقامت لجلب المفتاح، سألتني أثناء ذلك عن أحوالنا والوقت الذي وصلنا فيه، ثم وعدتني بإنجاز ما في يديها واللحاق بي للسلام على أبي. تأخّر مجيؤها إلى ما بعد الظهر، كنت حينها قد فرغت من ترتيب بعض الأغراض المبعثرة وعدت مع أبي لتناول طعام الغداء مع باقي أفراد الأسرة، دخلت المرأة في اللحظة التي امتدت فيها أيدينا إلى الطعام، أشار لها أبي بأن تجلس إلى جوار أمي التي أفسحت عن مكان بقربها، فأقسمت بأنها انتهت للتو من تناول غداءها، أعاد أبي الطلب مرة أخرى، لكنها أبت، سألها عن سر إغلاق الدكان، فاستشعرت حجم المرارة التي تعتريه.
- والله يا عمي ما عادت تفيد بشيء.. تعب بال ع الفاضي.
- كيف يا حرمة!.. من يوم ما فتحناها وهي ستر وغطاء علينا.
- الحال تغير يا عمي.. الناس ما عاد حالها مثل أول، اليوم يا تبيع دين أو ما تبيع.
- معقول!.. بهذه السرعة. رد أبي مستغربا.
- يوم المبروكة بسنة في غيرها يا عمي.. أكثر أهلها رحلوا ع ملبس ويافا وواد حنين ليوفروا قوتهم.. البلد ما ظل فيها حد يبيع ويشتري يا عم. قالت وهي تغالب دمعها.
- ربنا يصلح الحال. رد أبي بتنهُّد وأسى.
بعد قليل من انطلاق الحافلة حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ لم نكد نمر من أمام كوبانية يد مردخاي الواقعة بمحاذاة الطريق الرئيس الواصل بين غزة ويافا، حتى باغتنا سيل من الرصاص المنطلق من أبراجها، انحرفت الحافلة قليلاً إثر انفجار أحد دواليبها.. تأرجحت وسط حالة من الخوف والهلع عمتنا جميعاً، علت على إثرها صيحات فزعة تطالب الجميع بالانبطاح على الأرض وحث السائق على المواصلة مهما كان الثمن. صوت أبي الملهوف يسألني بخوف إن كان قد أصابني شيء ما، فقابلته بنفس السؤال، حينها زفر متنهداً وقال بارتياح: الحمد لله.
صوت الزجاج المتهشم فوق رؤوسنا زاد من معاناة البعض، خصوصاً بعد أن صدرت عدة صرخات مكتومة من أماكن متفرقة بداخل الحافلة وعتمة الفجر التي لم تنجل بعد، زادت من حالة الإرباك المشحونة بلحظات الخوف التي تنتابنا، فجعلت البعض يداوم على مطالبة السائق بالابتعاد عن المكان ما استطاع: "خليك ماشي وما تقف" وكأنها تعويذة يتقي بها الرصاص المتطاير صوبنا، دون أن تعنيه حالة الوهن التي أصابت الحافلة وأبطأت من سيرها، هاجس أصاب البعض فجعلهم يتخوفون من لحاق اليهود بنا، مما دفع بالسائق إلى مواصلة السير حتى مشارف المجدل.
نزلنا إلى الشارع نتحسس أجسادنا، نظر إلي أبي متفحصا، فلفت انتباهه جرح صغير في يدي، مسحه بلهفة وخوف ثم عقب قائلاً: الحمد لله بسيطة.
بعد أن هدأت النفوس قليلا، رحنا ندور حول الحافلة متفحّصين جوانبها، عدد من النوافذ تحطمت والإطار الخلفي كان أثراً بعد عين جراء قطع السائق مسافة طويلة عليه بعد انفجاره، عدد من الركاب شرعوا في مساعدة السائق للإسراع في تبديل الإٌطار والبعض وقف متأهباً تجول عيونهم في البساتين الواقعة على جانبي الطريق بتفحص وحذر. تحركت الحافلة من جديد مصحوبة بصمت الجميع وخوفهم، بزوغ الشمس من جديد جلاً بعضاً من الخوف الذي حل بنا، لكنه لم يقشع الصمت الذي لفنا، نظرت إلى أبي فبدا غارقاً في صمته، كان مغمض العينين لكنه يقظ البال، فبمجرد أن توقفت الحافلة في سوق الدير، هبّ واقفاً وأشار إلي لكي أتبعه. لم أعرف حينها ما الذي يراوده أو يختمر في رأسه.. لكن ملامح وجهه كانت تشي بالشيء الكثير.
دخلنا إلى السوق يرافقنا الصمت، ظل يشق طريقه بخطى أرهقني سعيها، كنت أحسبه سيرافقني إلى مكان عملي الجديد، لكنه عرج على دكان الفاكهة الذي يعمل فيه إدريس الصافي، كدت أن أسأله عن السبب، لكن وجومه أسكتني. كان الرجل منهمكاً في رصّ الفاكهة وترتيبها لحظة وصولنا إليه، فلم ينتبه لقدومنا إلا حين بادره أبي بالتحية، فأشرق وجهه وأقبل علينا مرحباً، لكن تساؤلاً ما لمع في عينيه كومضة سريعة، ثم أفصح عنه صراحة في وجه أبي: يا رجل متعّب حالك ليش؟.. ولا خايف عليه يضيع؟.
- أسمع يا قريبي.. لازمني من كل وبد حوش كبير يكون قريب من حوشك. قال أبي بنبرة لا تحتمل الجدال أو المناقشة، فأدركت حينها سرّ الصمت الذي لفه طوال الرحلة، لكني لم أدرك المغزى من وراء هذا القرار الصعب.
- غالي يا صاحبي والطلب رخيص.. اليوم إن شاء الله راح يكون جاهز وتنام فيه، لكن أيش اللي جدّ وغيّرك ؟.
- العمر مش نجيلة يا قريبي.. اليوم كان رحنا وما ظل لنا ذكر؟.
- أستر يا رب !. صاح الرجل بخوف وفزع، ثم راح ينصت باهتمام، للإيجاز الذي قدمه أبي بخصوص ما حدث وظهرت آثاره واضحة جلية على خلجات وجهه المضطربة بانفعال شديد.
- عرفت السبب يا سيدي؟. قال أبي منهياً حديثه مع الرجل.
- اليوم راح تنام فيه إن شاء الله.
- لا.. أنا راح أظل في شغلي.. حسين اللي راح ينام فيه لحين ما أرتب أموري.
ودعنا أبي بعدما أعطى الرجل ثلاث جنيهات فلسطينية ثمنا للحوش ومضى. عندها التفت إلي الرجل وقال مبتسماً:
- والله وصرنا جيران يا ابن أخوي.. أنت عارف المكان.. راح أسبقك إلى هناك حتى أرتب الموضوع وإذا تهت أسأل عن جميزات البطران ولما تصلها راح ترى التخاشيب قدامك.
كان الدكان مغلقاً لحظة وصولي إليه، فوقفت حائراً لا أدري ما الذي أفعله، هل أعود للانتظار عند إدريس الصافي، أم أظل في مكاني عرضة لنظرات العابرين وتقديراتهم، لكني لم أقم بهذا أو ذاك، بل افترشت الأرض أمام الدكان وفردت صرتي من دون أي اكتراث لما يدور من حولي، أخرجت شطيرة وثلاث بيضات رحت أقشرها غير عابئ بنظرات ترمقني بين الحين والأخر بغرابة واستهجان، فإحساسي بعدم معرفة الناس لي، جعلني أكثر جرأة على التعاطي مع الأمر. شيئاً فشيئاً بدأ المكان يضج بالحركة، عربات محملة بالفاكهة وأخرى بالخضار، سابلة تغدو وتروح، بعضهم باعة وجلهم مشترون، أحدهم وقف أمامي وراح ينظر إلي بتفحص وإمعان، حتى ظننت بأنه سيسألني عن شيء بعينه، أو لعل الأمر اختلط عليه فظن أني شخص يعرفه، غير أنه وبعد قليل من التأمل عدل من وضعية طربوشه، ثم دنا مني بضع خطوات وحدّق فيّ ملياً، ثم ابتسم في وجهي ومضي. توقفت عن المضغ وقد شغلني أمر الرجل.. تتبّعتُ خطاه وأنا أحاول جاهداً فهم ما جال بخاطره، استبعدت أن يكون شيء في ملامحي ذكره بشخص ما، فنظراته كانت منصبة على الطعام الذي أتناوله.. كان يتتبع كل لقمة تصل إلى فمي وشد انتباهه على نحو كبير فحل البصل الذي كنت أقضمه، لعله كان بحاجة لأن أدعوه للمشاركة، لا أعتقد ذلك، فحلته الجميلة والطربوش الذي يعتمره لا يشيان بأنه صاحب حاجة، بل العكس من ذلك تماماً. شغلني أمره لبعض الوقت، لكن وقوف شاحنة صغيرة بالقرب مني، جعلني ألملم أغراضي على عجل وأقبل على السائق الذي نزل منها وسألني مستوضحاً: بعده المعلم ما وصل.
- تقصد أبو درويش؟.
- ومين غيره؟.
جلتُ بنظري في المكان بشكل عفوي وكأني أبحث عنه في ركن ما بقربي، أو في أحد الأزقة التي تقابلني، مما دفع السائق لفعل الشيء ذاته، لكنه كان أسرع مني في تدارك الأمر، فتركني ساهماً وصعد من جديد إلى الشاحنة، حركها إلى الأمام قليلاً، ثم إلى الوراء حتى أصبحت بقرب الباب، أوقف محركها ثم نزل وأقبل علي، سأل عن أسمى وعرّف بشخصه، ثم لف لفافة وقدمها إلي، اعتذرت عن قبولها.. ألح الرجل في عرضه، لكنه حين عرف بأني لا أدخن أبدى تفهمه.
قبل أن ينهي الرجل لفافته، برز أبو درويش من أول الزقاق المطل علينا، رأى الشاحنة المتوقفة بباب الدكان فأسرع الخطى نحونا، كانت لفائف كرشه تهتز بشكل واضح رغم الحزام الذي يطوقه وعروق وجهه أكثر حمرة وانتفاخاً من المرة الأخيرة التي شاهدته فيها.
- صار لك زمان واقف ؟. سأل السائق دون أن يلتفت إلي أو يلقي التحية، اتجه إلى الباب من فوره، عالجه بالمفتاح قليلاً، ثم أشار ألي بأن أفتحه. انصعتُ للأمر من دون تعقيب، رغم امتعاضي الشديد من طريقة تعامله، ثم وضعت أشيائي جانباً وانتظرت الأمر التالي، فباغتني الرجل بنظرات حادة مستهجنة، صاح على أثرها:
- مالك واقف؟.. نزّل البضاعة وحطها هان.
- حاضر..، وأسرعت مهرولاً نحو الشاحنة، أسند السائق الكيس الأول على ظهري، كان ثقيلاً بعض الشيء، لكن المسافة كانت قصيرة، وضعته حيث أشار على، ثم الذي يليه، إلى أن وصل عددها إلى عشرين كيساً هي في الحقيقة مجمل حمولة الشاحنة. أمضيت يومي الأول على هذا المنوال، تارة أفرغ شاحنة وأخر ألبّي فيها طلبات زبائن لا ينقطعون، أحيانا أرافق بعضهم بحمولة أجرها على عربة صغيرة.. تشبه تماما تلك التي كنت قد شاهدتها من قبل وتساءلت حينها عن سر إقدام أولئك الناس على إبدال أنفسهم بالدواب، لحسن حظي كانت أغلب الطلبات في أماكن قريبة من السوق، فلم أصادف مشكلة في العودة من جديد إلى الدكان، غير أن واحداً منهم جاء بعد الظهر بقليل حاملاً معه قائمة من الطلبات، راح يمليها على الحاج والرجل يزن الأشياء ويضعها جانبا حتى فرغ منها جميعا، فأمرني حينها بأن أضع جميع الأغراض في العربة وأرافق الرجل إلى منزله، استجبت للأمر من دون تعقيب رغم إحساسي المفرط بالجوع، سرت خلف الرجل حتى خرجنا من السوق، عند أول تقاطع صادفنا اتجه الرجل غربا، فتبعته وبداخلي خوف من أن أضل طريق عودتي، حرارة الطقس وطول المسافة ظهرت آثارها علي، لكن ضجيج الشوارع بالحياة من حولي، خفف من حدة المعاناة التي تنتابني. بعد تقاطع آخر طالعنا ميدان كبير، ينتصب في منتصفه عامود طويل، ينتهي طرفه الأعلى بحلقة دائرية وتفترش أرضيته طبقة سندسية من العشب الأخضر ينعم بملمسها عدد من الناس المتواجدين في المكان، بعضهم كان متكئاً وبعضهم مستلق على ظهره يتأمل زرقة السماء. سألت الرجل عن اسم المكان حتى أستدل به، فنظر نحوي بوجه باش ثم قال: أول مرة تشوفه؟.
- نعم.. أول مرة. - هذا ميدان الساعة.، ثم أشار بيده إلى رأس العامود وقال: شايف الساعة اللي فوق العامود، سموا الميدان باسمها وهذا مركز البوليس اللي في مقابلها.. أنا ساكن بعده على طول.
كانت المرة الأولى التي أرى فيها الساعة أو أسمع بها، لم أكن أعرف من قبل ما الذي تعنيه تلك الكلمة وحتى بعدما أخبرني الرجل بأنها تشير إلى الثالثة والنصف، لم أكن واعياً لما تعنيه تلك الإشارة، لكني خجلت من أن أمعن في الاستفسار والمساءلة، آثرتُ أن أكتشف الأشياء بمفردي. واجهتني بعض العقبات أثناء عودتي لكني استطعت التغلب عليها.. استرشدت بالأمكنة التي انطبعت في مخيلتي وحين وصلت الدكان كانت الشمس توشك على الغروب. سألني الحاج بشيء من الإشفاق إن كنت قد تناولت غدائي، فبدا الأمر محيراً، إذ كيف لم يخطر بباله أنني لم أقف على قدمي دقيقة واحدة طيلة النهار، فما بالك بالجلوس وتناول الطعام، غير أنه بدا كمن استدرك زلته، فدنا مني وربّت على كتفي بحنو لم ألمسه فيه من قبل وقال بما يشبه الاعتذار: لا تؤاخذني يا ابني.. كنا اليوم مضغوطين شوي.
moh-nassar@hotmail.com