لم يَصدُق سوى أرميا... (شمعة عزاء للسيدة روز نخلة سلامة)

د. شفيق يازجي قرأها 1,095
  

لم يَصدُق سوى أرميا...

(شمعة عزاء للسيدة روز نخلة سلامة)

د. شفيق يازجي

قال لي عيسى سلامة مرة: عندما أموت لا تحزن! فحياتي حكاية، وسوف تنتهي كورقة شجر، تقودها الريح في الخريف أنى تشاء. وقال لي عيسى آخر: عندما أرحل لاتحزن! فسأزورك كعصفور دوري، وسأتنقل على قضبان شباكك لأطمئن عليك في كل صباح، وقال لي عيسى الأول: عندما أفارقك، لا تحزن! بل انتظر علامات السماء حتى ترى الحمامة...

ومنذها وأنا أنتظر الخريف، وأتتبع أوراق الأشجار في الغابات وفي الأفلام وحول طرقات السفر، أتمتع بألوانها الصفراء الكئيبة وبأجنحتها المكسرة من معارك الريح، وبأصوات تفتتها، وأبحث بينها عن رسالة أو رسم أو رمز لأفكَّ أحجيته، كغجرية تقرأ في كفٍّ أو فنجان مقلوب، فلا أجد شيئاً، فلست بمهارة الغجر، أنتظر الريح، لتلقي على صدري التَعِبِ، رشقة من الورق الخريفي، لأكذب على قلبي وأضمها اليه... وأنتظر الشتاء ليمرَّ، أعدُّ أيامه، أشطبها من مفكرتي، أفرح للصاعقات وللآلىء البَرَدِ، وحبال المطر، وصوت العواصف، لأنها تبشرني بربيع جميل لعصافير الدوري، فقد يزور شباكي أحدها ويتنقل على قضبان حديده، فهكذا وعدني عيسى الآخر، سيزورني على شكل عصفور دوري، عندها لن أقترب منه، لن أدعه يهرب، لن أهمس، ولن أشير أو أرمش، لئلا يبتعد ذلك الغبي لأنه لا يعرف كم أحبه...

وفي الربيع أنتظر الدوري، كما تنتظر الأرض الشمس لترضعها بدفئها، أنتظره مع الفجر وبعد نجمة الصبح بقليل، وقبل أن ترخي الشمس خيوطها الفضية، وأنام مقابل الشباك الموعود أو أتظاهر بالنوم، لن أحرك ساكناً علّه يطيل الزيارة قليلاً، حيث لا وقت للعصافير لتضيعه في سبيل مشاعرنا، أنتظر الدوري مع الربيع، مع شقائق أدونيس، وأفرح إن هطلت أمطار غزيرة، فقد يكون موسم السيكلمان أفضل وروائح الزعتر البري أذكى، وألوان الفراشات أزهى، ليستطيع الدوري أن يبني عشه على جدارنا، وليهدي حبيبته إكليلاً أو باقة عطر من نرجس، ولترقص الفراشات رقصة عرس الربيع. سأنتظرك أيها الدوري، كما انتظر هاملت الوحي الهابط من سماء الحقيقة، وكما انتظرت عشتار أدونها، فأعطاها الربيع دمه ليسري في عروق شقائق النعمان، وكما انتظرت بنات أورشليم عريسها بالورود وأكاليل الغار وسعف النخيل...

وأنتظر الصيف، أودع الغمامات، أتلو مراثي أرميا على قبور الفراشات: (نفذ الشيوخ عن الباب والشباب عن غنائهم، مضى فرح قلبنا صار رقصنا نوحاً، سقط إكليل رأسنا، من أجل هذا حزِن قلبنا، من أجل هذا أظلمت عيوننا. لماذا تنسانا يارب الى الأبد وتتركنا طول الأيام...).

وفي الليل تتابع عيوني قبة السماء، أتابع ليالي القمر من محاقه وهلاله المتزايد وتربيعه الأول وحتى أحدبه المتزايد وبدره، وفي النهار أترقب عودة الطيور المعنقة المتراصفة، ياإلهي.. من أين لها هذا النظام! أبحث في قبة السماء عن الحمامة الموعودة، فلا أجد سوى نجوم تضيء وتذبل كقصص الحب الزائلة، ولا يبقى شيء سوى الحزن. فالحزن هو الصديق الوحيد الذي يدوم للقلب. باطلة هي قصص الفرح، وأسطورية هي قصص الحرية، وأبديٌّ هو زمن الحزن، ذاك اللزجُ كدم القلب المتخثرِ، المرُّ كإسفنجةٍ مشبعةٍ بالخلّ، المالحُ كطعم الدموع، المؤلمُ كصرخة الولادة أو حشرجة الموت...

نعم لقد وعدوني برسائل من ورق الشجر، وبزيارات لعصافير الدوري، وبحمائم من غياهب السماء، ولكنهم كذبوا، نعم لقد كذبوا جميعاً، ولم يصدق سوى أرميا، فمراثيه هي قصائدُ روحي الأبدية...

ch.yazigi@yahoo.com