خواطر مع الانتظار - إلى السيد عيسى القنصل

سلام كنجو قرأها 776
 

خواطر مع الانتظار

إلى السيد عيسى القنصل

سلام كنجو

الإهداء...

إلى كل من يُدعَون مجازاً (ضحايا السرطان)

أنتم لستم ضحايا إن علمتم أن السرطان نوع من الإدمان السري على الحزن ترافق مع جرعة زائدة منه سواء في لحظة غفلة منا أو وعي لا فرق. طاردني شبحه قبل ظهر العمر وأنا على أبواب الثلاثين، كنت غاضبة منه، ثم كبر حزني، ثم مع الوقت غلبني فاستسلمت له، ثم تقبلته، بعدها حدث أن تعودته، ولا أذكر متى انتهى الأمر بنا كأصدقاء فقد علمني الكثير...

يقال أننا عندما نختزن مشاعر الحزن لفترة طويلة من الزمن في أرواحنا فإنها مع الوقت تبدأ بالتهامنا، والحل يمكن اختصاره بكلمة واحدة... الحب.

نعم الشفاء حباً !

فالروح لا تملك صوتاً خاصاً بها وليس لديها أية وسيلة تخبرنا بها عما تريد إلا عن طريق الجسد، من هنا يأتي المرض، ولهذا قال حكماء الصين واليابان القدماء أن المرض ما هو إلا عرض تخاطبنا الروح من خلاله وتطلب منا القيام بتغيير شيء ما في أنفسنا أو حياتنا...

قد قال طبيبي لي

في وقت

أستجدي فيه أيّ رجاءْ:

من أجل الراحة والصحّة

فلتتقنْ فنّ الإسترخاءْ

مادام الجسد الواهن

يبدي الرفض لكلّ دواءْ.

(ولعمري

كنت أرى في هذا "الفنْ" 

إغفاءةَ كسلى

حالمةٍ بلهاءْ)

وأضاف: تحاشَ نشرات الأخبارْ

من مذياعٍ أو تلفازْ

فالأخبارْ

 من فجر الله وعبر الظهر وطول نهارْ

لا نفعَ يُرجّى منها سوى

تعكير مزاجْ

فتحاشَاها

صبحاً كانت

ظهراً عصراً

أو بمساء

في الأخبار رؤىً تقنِعك

بأن العالم يأكل بعضهْ

يرتجف ونرتجف حيالَهْ

والسلم غدا يلتحف ظلالَهْ

ليس سوى بركةِ دمٍّ

حمراءْ

أو بقعةِ همٍّ هائلة سوداءْ.

فسمومٌ تحقنها نشرات الأخبارْ

لن تخلق في الكون بتاتاً

فرحاً اخضرَ

أو تروي قلوباً عطشى

هائمةً في عمق الصحراءْ

تنتظرُ مِن أحدٍ جرعةَ فرحٍ

كالجسد الحالم

تكفيه

من ينبوعٍ قطرةُ ماء.

* * * 

خفّفْ من لومكَ

رفقاً صبراً

وترَوَّ  طبيبي

فأنا لم أتلقَّ طيلةَ عمري

درساً في الفرحِ

ولا مارستُ رياضة

تسليةٍ أو لهوٍ أو مرحِ

وطفولتي كانت ملأى

بفصول الحزنِ

وصوَرِ البؤسِ

وقد أمضيتُ العمر بكاءْ

وكنت ملأت بحزني الشخصيِّ

جميع زوايا حياتي،

فما لبثتْ أحزانُ الغيرِ

تداهم أيامي

حتى صارت صفتي "المستاءْ"...

* * 

وأنا ما عادت تعني لي

شيئاً

عن جسدي تقاريرُ المشفى

أو منكم تقديراتُ شفاءْ

فشفائي

قد فصّلتُ ملامحَه

وفقَ مقاسات الروحْ

زهوراً بيضاءْ

أطواراً مثل نموِّ سنابلَ قمحٍ

أعشقها كالطيب تفوحْ

أرسمها في كلّ نهارٍ

ألواناً بالآمال تلوحْ

أحلم أن أتحرّر من عشقٍ آسرْ

بطريقة زوربا

وأكرّر فان كوخْ

ذاك السّاكبَ روحَه في زهرة عبّاد الشّمسِ

يقاسمُ تربتها فرحاً عامرْ

ويقاوم حزنهْ

لم تقتله كآبة أيامٍ

أو حالةُ إحباطْ

قد يحدث أحياناً

أن يتمكّن منّا الحزنُ

فنعجز عن إتقان التعبيرْ

لوناً

أو لحناً

أو صرخة شعرٍ

تحيي الأرض وتجلو سماءْ

فالفن هو النيرفانا بالنسبة للشعراءْ

 * * *

وأنا من حقي أن أتحكم

كيف تكون نهاية عمري..

رسماً أو رقصاً

شعراً أو صمتاً

لي حريتي في أن أغرق في قلب الموجة ذكرى

أو أشرد مع عاصفة هوجاءَ

أخط كتاباً أخلق سِحرا

فالحزن الكامن في نفسي

قد لازمني الدهر

وصار كتابَ هويَّة

وغدا لصيق كياني

ماعاد من السهل عليَّ

وداعُه

أو فصمُ عرى

استئثاره فيَّ

 * * *

فإذا شعرتُ بأن الموت تدانى نحوي 

سألاقيه بكل حفاوة

وسأُظهر من عينيّ جميع علامات الترحيبْ

لن أجعلَه يحسّ بأنه

ضيفٌ

في العتبات غريبْ

لن أُحدثَ في السّاح ضجيجاً

أو صخباً

أو ألقي اللوم على الدنيا

فحقيقة دستور حياتنا

لا تقبلُ عتباً

تبديه زفراتُ حسيبْ

 * * *

من مرضي تعلّمتُ كثيراً

وخبرتُ تفانين الأشياء

وغدوت دون مقاومة

أفتي لحياتي عواصفها

فتمايلُ قاماتِ الأشجارِ أمام الريحِ

دليلُ مرونتها

ودلالةُ حكمةِ حيٍّ آخرْ

لا يدرك فحواها الإنسان

إلا في مفترق العمرْ.

علمني مرضي

كيف أحب حياتي بكل ثوانيها

إذ قبله ما فكّرتُ

 بإحصاء هداياها،

لكني،

وأنا يدنو مني الأجلُ

تيقظتُ

لدُررٍ أهملناها

لمعنى تفاصيلِ العيش

عبرناها جزافاً

من دون رقيبْ

 * * *

علمني مرضي كيف يكون الحب

قديرٌ في كل الحالاتِ

وأن الموتَ الوجهُ الآخر

لحقيقة سِفر الحيواتْ

لكن الطامةَ أن تكتشف وأنت تواجهه

بأن العمرَ الحاشدَ

بدقائقه وبالساعاتْ

عبرت كالرّمل فراغ أصابعِك..

تتساءلُ

هل عشتها هاتيك اللحظاتْ؟

كم لحناً فاتتني نغماتُه؟

بقيتْ في قلبي ثكلى

يالذّة تلك النّغمات!!

كم عطراً فاح على صدري

يا أسفي عليها إذ فاحتْ

بأثيرٍ يخلو من القبلاتْ.   

 * * *

علمني مرضي بأن الخوف من الخوف

هو السيف القاتلْ

وإذا ما زلت أعيش وقوفاً

في وجه الخوف

تلُوحُ مناديلٌ سوداء

مازلت أعيش الحلم المتجدّد ينمو

في كل صباحْ:

سأزور بَعيدَ الدول

عديدَ المدن

كثيرَ البلْداتْ

وأزور أوابدها

ومتاحفها ومسارحها

وأصافح أهل الحاراتْ

وأقبّل طفلاً أشقر

سحريّ العينين

حلمتُ بضحكته سنواتْ

 * * *

أكتنز دموعاً في قلبي:

دمعةَ حبٍ

دمعةَ فرحٍ

دمعةَ حزنٍ

دمعةَ شكرْ

 * * *

ودموعي في قلبي

لها عطرٌ

ياعطري ذخرٌ للْجنّاتْ

***

في قلبي سماءٌ واسعةٌ

في قلبي شموعٌ ودعاءٌ

في قلبي يزهر فجرٌ أكبرْ

في قلبي ينبت عشبٌ أخضرْ

وزهورٌ حديقتي يانعةٌ

وثمارُ الجنّة لا أنضرْ

وطيورٌ يملأ شدواها

الدنيا كالقيثار تندّر

وكؤوسٌ للفرح تغنّي

يا طيبَ الخمرة ما أسكرْ

* * *

ياحلمي الرائع

أين أنا؟

إن أنت سوى غيمٍ يسخرْ!!

لكنّي أمام الحقِّ دنا

سأكون عليهِ بكَ أقدرْ

*