31/09/2009
الدكتور نبيه رشيدات
الطبيب الإنساني والشيوعي، الذي لم ينكّس راية النضال رغمالنائبات
بقلم: عبد الله حنا
درس والد نبيه رشيدات في مكتب عنبر بدمشق وأصبح، كما هي حال معظم خريجي ذلك المكتب، من موظفي الدولة العثمانية في بلاد الشام. ثم استمر، بعد 1918، موظفاً كبيراً في إمارة شرقي الأردن وأصبح في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين عضواً بمجلس الوصاية على عرش الملك حسين قبل بلوغه سن الثامنة عشرة.
رأت عينا نبيه رشيدات النور عام 1922 في إربد (الأردن)، وبعد أن أتمّ تحصيله الابتدائي والثانوي حصل على المتريك (البكالوريا) من مدرسة السّلط سنة 1939، وهناك تأثر بأستاذين تقدميّين يحللان، حسب تعبيره، (حوادث التاريخ من منظور علمي).
انتسب نبيه إلى المعهد الطبي بدمشق عام 1941، وتخرج منه عام 1948. ويقول إنه قرر دراسة الطب لتكون عوناً له في نضاله السياسي، في حين كان والده يرغب أن يدرس الحقوق.
عند التحاق الطالب نبيه رشيدات بمعهد الطب بدمشق كان متأثراً بعاملين:
الحسّ الوطني والوعي السياسي الذي تميز به أبناء جيله من المثقفين.
الحقد العميق على الاستعمارين البريطاني والفرنسي وعلى الصهيونية.
وفي دمشق أخذ يتردد على المجالس التي تدور فيها النقاشات اليومية حول تطور الحرب ومستقبل العرب. ولم يكن متعاطفاً مع انتصارات النازية إلا بسبب كرهه لعدويها الاستعمارين البريطاني والفرنسي، في حين أن نبيهاً كان يُسرّ ويطرب لانتصارات الجيش الأحمر السوفياتي ويحزن لانتصارات بريطانيا عدوة العرب.
وقد أدّى تعاطف طالب الطب نبيه مع الجيش الأحمر وعدم انحيازه، معنوياً، إلى ألمانيا الهتلرية إلى تأثره بالطلاب الشيوعيين في الجامعة السورية، الذين بيّنوا له أن الحرب العالمية الثانية تختلف عن سابقتها (الحرب العالمية الأولى)، التي غدر فيها الحلفاء بالعرب. فإن اشتراك الاتحاد السوفييتي في الحرب لن يسمح للمستعمرين بإحكام السيطرة على العالم كما جرى في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وهذه الفكرة أدخلت الطمأنينة إلى نفس نبيه رشيدات وسرعان ما وجد نفسه في صفوف الحزب الشيوعي السوري في الجامعة السورية، التي كانت تعجّ بالنشاط السياسي والاجتماعي لمختلف التيارات. وهكذا دخل طالب الطب رشيدات الحزب الشيوعي من بوابة (النضال الوطني) وليس بسبب واقعه الطبقي المريح. وهذه الظاهرة كانت حال معظم الطلاب والمثقفين من أبناء الطبقة الوسطى الميسورة، الذين انتسبوا إلى الحزب الشيوعي في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين.
أواخر عام 1948 افتتح نبيه رشيدات عيادة في قرية الصويلح غربي عمان. ولكنه سرعان ما اعتقل من عيادته وأُلقِيَ به في مخفر باير على الحدود السعودية لمدة ثلاثة أشهر، على أثر توقيعه مع تسعة أشخاص على بيان يطالب بمحاكمة المسؤولين عن كارثة فلسطين وإلغاء المعاهدة البريطانية مع الأردن وإقامة حكم ديمقراطي برلماني. وبعد خروجه من السجن فتح عيادة في الشونة ثم في عمان حيث عمل طبيباً للبلدية.
عام 1951 أُوفِد إلى باريس ولندن في دورة طبية. وفي باريس وقّع على عريضة تطالب الدول العربية بالتضامن مع مصر، مما أغضب رئيس الوزراء الأردني أبا الهدى دون أن يتمكن من مسّه بأذى. وبعد رجوعه من أوربا بأسبوع خطب في مظاهرة شيوعية في عمان تطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وتعريب الجيش الأردني. فاعتقل في أواخر 1952 لفترة قصيرة.
برز الطبيب نبيه رشيدات في انتخابات تشرين الأول 1954 مؤيداً لمرشح الجبهة الوطنية الطبيب عبد الرحمن شقير. وقد رافق الانتخابات صدامات مع الشرطة على أثر خطابين لشقير ورشيدات، مما أدى إلى اختفاء رشيدات لمدة سنة في الأردن لجأ بعدها إلى سورية 1955، التي كانت تنعم آنذاك بحكم وطني وحريات ديموقراطية لا تزال ذكرياتها عالقة في جيل ذلك الزمن الخيّر.
وقد عمل الدكتور نبيه رئيساً لمستشفى السّل بحلب لمدة سنة ونصف.
وعلى أثر المد الوطني الجماهيري في الأردن عاد نبيه إليه وألقى في اليوم الثاني لوصوله خطاباً نارياً في الجموع المحتشدة، مما اضطره للاختفاء أربعين يوماً ثم العودة سراً مرة ثانية إلى دمشق. وبعد عودته إلى دمشق لم يستمر الطبيب نبيه رشيدات في مزاولة مهنته بل انغمس، بفعل الأحداث، في العمل الوطني السياسي. فاشترك في مهرجان الشبيبة في موسكو عام 1957. ثم أُوفِد إلى الصين لإنشاء إذاعة عربية في بكين. وهناك علم أنه حُكم عسكرياً لمدة 16 سنة، بتهمة الشيوعية يضاف إليها سنة ونصف لإلقائه خطاباً في عمان، كما جُرِّد من الجنسية الأردنية.
بقي رشيدات في الصين ثلاث سنوات ونصف، ثم ألقى عصا التسيار في موسكو أواخر 1960 حيث عمل في إذاعة موسكو سنة ونصف. وبعد انفصام عرى الوحدة عاد إلى دمشق أيام حكومة الدكتور التقدمي بشير العظمة، الذي وافق على تعيينه في مركز مكافحة السل بحمص. ولكن أجهزة الأمن اليمينية بقيادة مطيع السّمان رفضت تنفيذ قرار رئيس الوزراء العظمة. ولهذا اضطر إلى طلب النجدة المالية من أهله لفتح عيادة خاصة في حي ركن الدين. وفي اللقاء الذي أجريناه مع الدكتور نبيه في كانون الأول 1993 ذكر أن عدد المرضى الذين يزورون العيادة يومياً يتراوح بين 40 و50 مريضاً (نصفهم بلاش) أي بلا أجر. كما قدم المساعدة الطبية بين عامي 66 و 67 لمناضلي حركة فتح وغيرها من المنظمات. وكثيراً ما أغلق الطبيب نبيه رشيدات عيادته وانهمك في العمل السياسي. وقد طرح كاتب هذه الأسطر السؤال على نفسه: ألم يؤثر العمل السياسي على عمل العيادة؟... الجواب نجده في الحياة البسيطة التي عاشها نبيه رشيدات، وفي عدم جنيه أي مردود يذكر من عيادته وهو طبيب منذ عام 1948.
شارك الدكتور نبيه رشيدات في جميع مؤتمرات الحزب الشيوعي منذ عام 1943-1944، إضافة إلى المشاركة في تأسيس الحزب الشيوعي الأردني في أوائل خمسينيات القرن العشرين. ووصل في السبعينيات إلى اللجنة المركزية ثم إلى المكتب السياسي في تنظيم خالد بكداش، وترأس هيئة تحرير جريدة (نضال الشعب). وفي المؤتمر السابع لهذا الحزب أعلن عن عدم ترشيح نفسه لمناصب قيادية، وليس معنى ذلك عدم الاشتغال بالسياسة فهي تتدفق في عروقه وكأنه في سن الشباب.
يتمتع الدكتور نبيه رشيدات بموهبتين: الخطابة والكتابة. وقد استخدم الموهبة الأولى استخداماً جيداً وناجحاً في مناسبات وطنية اجتماعية كثيرة في الأردن وسورية. أما موهبة الكتابة فلم يستخدمها أو بالأصحّ لم يطورها لتبلغ منزلة رفيعة. فقد استنفدت مهنة الطب والعمل السياسي اليومي وإذاعتا بكين وموسكو جزءاً كبيراً من خيرة سنواته في سنيّ العطاء. وفي تقديرنا إن (العمل السياسي اليومي)، وأسباباً أخرى منها سياسة الجمود التي كانت سائدة في الحركة الشيوعية عرقلت عملية تطور الإنتاج الفكري للدكتور نبيه رشيدات. ودليلنا على ذلك مقالة له منشورة في مجلة (الطريق) البيروتية (عدد آذار 1945) تحت عنوان: (عالم الغد عالم الشعوب الديمقراطية الحرة). إن قارئ هذه المقالة يستغرب لماذا لم يستمر رشيدات في إنتاجه الفكري (الكتابة) مع توفر جميع مستلزمات الكتابة: ثقافة عميقة وأسلوب جذاب ولغة أجنبية (إنكليزية) جيدة ورغبة صادقة في دفع المجتمع وتطويره في معارج الرقي. جاء في الفقرة الأخيرة من المقالة المذكورة ما يلي:
ونحن العرب الذين حمل أجدادنا مشعل المدنية في حقبة طويلة من الزمن، والذين ناضلت شعوبنا في ربع القرن الأخير نضالاً عنيداً في كل قطر من أقطارنا في سبيل التحرر من الاستعباد والاستعمار، ننظر إلى عالم الغد بنفوس ملؤها الثقة والأمل بأن تتحقق أهدافنا القومية فنتحرر نهائياً من الاستعمار والجهل والفقر ونتخلص من الإقطاعية والبداوة ونكون أمّة منسجمة قوية وصحيحة تؤدي رسالتها من جديد في عالم المدنية والإنسانية.
في حديثه إلى مجلة (صوت الوطن) في صيف 1993 (العدد 47 و48) يجيب الدكتور نبيه رشيدات عن سؤال المجلة: (كيف تنظر إلى مستقبل الشيوعية في البلدان العربية؟)، يجيب رشيدات إجابة طويلة نقتطف منها الجمل والفقرات التالية:
إن الحوار الديمقراطي حول جميع هذه الأسئلة المطروحة هو ضروري ومفيد (...).
يجب العودة بالنظرية الماركسية إلى أصلها كمنهج للتفكير.(لا يجوز الاعتماد على الماضي (يقصد الشيوعي) فقط والتغني به، وطبعاً لا يجوز السماح بتحقير الماضي إطلاقاً، ولكن لا بد من دراسة الماضي دراسة نقدية عميقة دون خداع للذات.
باعتقادي أن وجود الحزب الشيوعي هو مطلب ضروري من مطالب النضال الوطني والاجتماعي).
إن انهيار الاتحاد السوفييتي، رغم الآلام الشديدة التي تركها لدى شعوبنا لفقدها سنداً كبير الأهمية لها، إلا أن شعور الدفاع الذاتي لديها سوف يشتد ويقوى في الصراع ضد الهيمنة الإمبريالية تحت المظلة الأمريكية وضد الغزو الصهيوني.
ومن جهة أخرى فإن الصراع الطبقي سيزداد حدة... فما من قوة تستطيع إخماد الحقد العميق على الاستعمار والصهيونية، وما من قوة تستطيع منع الشعوب من التطلع إلى الغد الأفضل الذي ستحققه الاشتراكية).