“خمر السؤال” مجموعة شعرية جديدة للشاعر محمد خالد رمضان، من منشورات اتحاد الكتاب العرب حديثاً، وتتضمن ستاً وثلاثين نصاً.
اختار الشاعر العناوين الطويلة لبعض قصائده إلى جانب العناوين الشعرية القصيرة مثل “ابن عربي يرقص في حضرة الحضرة على مقام الغياب” و ”غفران تقرأ الفاتحة لفاطمة وتختفي في لغة النرجس” وعنوان آخر طويل “إلى امرأة دمشقية تجلس على الشرفة وفنجان قهوتها أمامها في مساء خريفي”. ومن العناوين القصيرة “ذبول” و ”مدى” و ”عشتار والآتي” و ”رقص زهرة الحضور”.
يملك الشاعر إحساساً مرهفاً دقيقاً في قصائده تجاه الأشياء، ولا سيما الطبيعة والوجود الإنساني. ويعكس هذا الإحساس عبر تجربته الشعرية من خلال غلبة القصائد الغنائية، إذ تعبِّر فيه الذات الشاعرة عن خواطرها ومشاعرها بلغة مأنوسة توحي بصدق العاطفة.
وأول الخصائص التي يتميز بها هذا النسيج الشعري في معظم القصائد حضور المكان فصباغ المكان يلوّن القصائد بألوان جميلة. وفي قصيدة “ترانيم الأصفر”، المكان قرية “بير عجم” الجولانية، والوادي “وادي الرقاد” نهر في الجولان، هذا الوادي يقوم بوظائف جمالية يهب الجمال والحياة ويتحول في عين المخيلة إلى ذات إنسانية رومانسية تتعاطف مع الحبيبين، بل يصبح ربّ النرجس.
" أرشّ بير عجم بسؤال اللون
يتوهج الأصفر
سلالاً من أغنيات
حكايا عن لغة العشق
ترانيم عن نرجسة مرسومة
بالرّقاد
تصيحين ما أحلاك يا رقّاد
يا رب النرجس ".
ص 45
وتمتزج الطبيعة الحية بخلجات الذات المبدعة، فالذات تعبر عن مشاعر تولدت في لحظات الإبداع في زمن التجربة زمن التنزه والحديث يقوم على رؤية بصرية تنعم النظر في أوصاف المكان كما في قصيدة “رقص زهرة الحضور”:
" أفتح بابي
ترقص الربوة هذا الصباح
يرقص كيوان
الشادروان
يرمقني الأبدي
يرمي زهرة الماء
أرمقني
أرمي زهرة الماء "
ص 59
سحر الشاعر بجمال بلدته الزبداني وبنهر بردى وبشموخ قاسيون وبياسمين دمشق، وكتب أجمل القصائد في ذلك، وأصبحت من مكونات نسيجه الشعري في قصائده. فنجده “يُؤنسِن” الطبيعة فهي تحس وتشعر كالإنسان.
ويقول في جرابلس:
" كركميش جثة
ترفع يديها تنادي الفرات
صوت من قبل الأزل
أنا جثة "
ص 53
وفي قصيدة “ابن عربي يرقص في حضرة الحضرة على مقام الغياب” نلمس نفحات صوفية، في ديمومة التواصل مع الله عز وجل، ويلجأ لتشخيص الإله لمعاينته والمثول في حضرته والتواصل معه، فنجده يؤنس الصفات الإلهية ليتبادلا البوح والمعرفة والنظر والهيام.
" هو البوح يا أنت
منذ ولدت أبوح لك
منذ غنيتك تبوح لي
أغرف منك الأسئلة
أرميها في الحضور
تغرف مني الهيام
وترميه في الغياب
تعود السوسنة، ترش اسمي بمائك
فأغني اللحن الأزرق
العادل، الفارق، والصامت "
ص 7
والقصيدة تشير إلى انتفاء الذات الإنسانية/ الذات الإلهية، فالواحدة تتضمن الأخرى، هذا التضمين لا يتأتى إلا بالوجد والمكابدة الصوفية في طريق معرفة الحقيقة ومعاينة هذا المطلق والتوحد فيه.
" فيما أنظر لا أجد إلاّك
لا أحد إلا أنا
خابية تسح الألوان
تعانق الزرقة
أقول لزيتها:
اليوم أدخل البقاء
أضم الألوان
أضمني "
ص 8
وتتعدد الرؤى الشعرية في مجموعة “خمر السؤال” وقد نلحظ هذا التعدد ضمن قصيدة واحدة إذ نلمس جدلية الرؤية، الموت، الحياة في قصيدة “ذبول” هذه الجدلية قائمة على فهم أصيل لحركة الحياة، وطبيعة الحياة تتوهج بالفرح والحب، وتذبل بفعل حركة الزمن بالحزن والسكون وبفعل حركة الجسد الإنساني العاجز عن الاستمرار إلى الأبد.
فهناك مقارنة في النص بين تفتح “الضراير” وهو نوع من الورد الربيعي الجميل مع ذبول رهام بعد أربعين سنة.
" مع نيسان تتفتح الضراير
صفراء تتوهج
وردية تتوهج...
بعد عشرين يوماً
رويداً، رويداً تذبل الضراير
يكمد لونها
تبكي، تتفتح أبعاد رهام
يتورد خدها
يتورد نهدها.. وبعد أربعين سنة
تبدأ رهام بالذبول
يصفر الخد
يميل العنق"
ص 25
ويزين الشاعر قصائده بمقاطع من أغان لفيروز كهذا المقطع في قصيدة “بكائية للأشياء”.
“مطرح منو مسافر شوكتار الحلوين”.
أو مقطع من زجله، كما هو الحال في قصيدته المهداة إلى الصديق الراحل ميخائيل عيد:
" يا درب يا غنيـّـة الحلـوة
لْقوي عْليِّي شويّ .. حاجـي دْموع!
البنت بالجلوة
حــاجي! دمـوع.. خطيّ "
أو تناص في قصيدة “آخر لحظات الواحدة والستيني”.
" مساء الخير إيليوت
ربما ألتقي مع الأربعاء الرمادية
الرملية
ألتقي مع تكة آزراباوند "
ص 62
ويكثر الشاعر من ذكر عشتار في قصائده فهي رمز الخير والعطاء والخصب.
" عشتار تقطف التفاحة
ترسل الصباح
وتقطف التفاحة
ترسل النبع
تلو النبع "
أما بالنسبة للصورة الشعرية فهي تشكيل لغوي يكونها خياله من معطيات متعددة، يقف العالم المحسوس في مقدمتها، فأغلب الصور مستمدة من الحواس كقوله: "تمر الساقية وترقص" - "يجن ورد القطة" - "تزغرد الدروب والشقائق" - "ينتظرنا النابوع" - "يفتح النابوع يديه".
ولا يمكن إغفال الصور النفسية والعقلية، يقدمها الشاعر أحياناً كثيرة في صور حسية ويدخل في تكوين الصورة المجاز، التقابل، الظلال، الألوان، كقوله: