فن المسْخ في بلادي

ظاهر شوكت قرأها 5
  

لأول مرة، ومنذ زمن، أفلحت خيوط متهرئة من الفرح ان تتسلَّل الى داخله، وبصعوبة بالغة، ابتسم ابتسامةًباردةً، مترددةً، مهزومةً، كشفتْ عن أسنانه التي تثير صفرتُها قرفاً، كان يتفاخر بنصاعتها، ويحرص على تنظيفها، صار يحرص على إخفائها بشفتين منقبضتين دوماً كما يحرص على إخفاء هاجس الهزيمة والسقوط الذي صار ظلاً يلازمه أنَّى حل او ارتحل.

مدَّ يده المرتعشة الى ربطة عنقه، وهو يحدِّق في المرآة، ويحمل حقيبة فاخرة يتناسب لونها مع البدلة الجديدة التي أهدِيتْ اليه بعد ان صار رديئاً، ردَّد بصوت متحشرج فيه فجيعة واضحة تجسَّدتْ في محاولته التنفُّس بعمق: لستَ أول قارورة إنكسرتْ، لم يكن أمامك خيار آخر، أنتَ معذور، لايعرف الشوق الا مَن يكابده، وانا الذي كابدْتُ، لقد وضعوا رأسي بين فكَّي كمَّاشة، وأدخلوا قضيب النار في ...... هل يتحمل الحمار كل هذا؟

ولكنك تحملتَ، وظللتَ أكثر من ثلاثة أيام تشعر _ رغم الألم _ بزهو، وصرتَ تحلم بانتقالكَ الى السجل الذهبي لتاريخ ال ..... وقلتَ معجَباً: "فزتُ وربِّ الكعبة".

توقَّفَ .. وكأن شيئاً في داخله وخزه بقوة، أمسك بجانب صدره الأيسر، تشنَّجتْ ملامح وجهه لتمنعه من البكاء، ولكن ما جدوى ذلك؟ " لقد سقطتَ من أعلى الشجرة قبل أن يرتد اليك طرفك..... يبدو أنكَ انتزعتَ اللحظة التي كنتَ تقول عنها في عبارتك المشهورة: " المسافة بين الصمود والسقوط لحظة، شعرة واحدة من عمر الزمن.... يبدو أنك انتزعتها فصرتَ أملطاً، ستدفع الثمن، بل إنكَ فعلاً بدأت تدفع وإلا فما هذا الإحساس بالعار الذي يمزِّقك بلا رحمة؟ أما كان الأجدر بكَ ان تلتحق بأولئك الذين ماتوا صامتين وتحول صمتهم الى بوصلة يعتمدها اللاهثون بعشق وراء الحقيقة وجمالها ؟ "

حين أبصرَ في المرآة الكبيرة التي أُهديَتْ له أيضاً، صُعِقَ لحدِّ النخاع، شعر انه يختنق تماماً، فتح ربطة عنقه، بصعوبة بالغة اقترب من المراة، حدَّق فيها جيداً، " ياللهول " .. مدَّ يده الى مقدمة رأسه،

" مستحيل، غير معقول، ما هذا النتوء؟ متى ظهر؟ أيّ نتوء؟ انهما قرنان، ينموان، إنك في حلم، تلمس النتوئين، ايُّ حلم أيها الاحمق؟ انهما قرنان ... وينموان .. ها لقد ارتفعا !!"

ومِن حيث لايدري، مدَّ يده المرتعشة الى مؤخرته، تفحصها: "الحمد لله، لاذيل ينمو" .. تأكد أكثر من مرة، لاذيل ينمو في مؤخرته، ولكن القرنين أصبحا بارزين تماماً فصارا جزءاً من صورة وجهه،وجه بشري وفي اعلاه قرنان. انغلق تماما، لم يقو على شيء، لم يعد قادراً على البحث عن مفتاح يفتحه، رفع الحقيبة الأنيقة المهداة له بعد ان تحقق تصنيفه في حظيرة ال... بكل قوة حاول ان يضرب المرآة ليهشِّمها، لكنه توقَّف على صوت الجرس، تراجع بخوف وذلة، وضعها على الارض، مد يده الى ربطة عنقه فتأكَّد من إغلاقها، مرَّر يده على رأسه، انه يتذكر ان القرنين قد اختفيا أو هكذا حاول ان يقنع نفسه، لكنه ظلَّ قلقاً، فلذا ظل يمرر يده على مقدمة رأسه وهو يخطو نحو الباب الرئيسة للبيت ليفتحه. وجد قبالة الباب السيارة الطويلة الفارهة المرتفعة وكأنها تحاكي أعضاء ال...... في تكبرهم على الناس، اكثر من خمسة شبان يرتدون ملابس مرقطة، يحملون بنادق قصيرة الأذرع، ينحنون أمامه ليظهروا احتراماً واضح التكلُّف: "تفضَّل .... تفضَّل استاذ".

أحدهم فتح الباب الأخير وصعد كالثعبان ثلاثة منهم ليجلسوا على المقعد خلف الاستاذ،اثنان على المقعد الامامي، ويجلس سعيد على المقعد الوسط، وعليه ان ينتفخ كالطاووس، هذه هي التعليمات. لقد صار سعيد رجلاً مهما يحتاج الى حماية كما يحتاج الى هالة تخيف البعض وتغري اخرين بالبحث عن الطريق الى السلم الجديد. انطلقت السيارة تلتهم الشارع بسرعة جنونية تنفيذا للتعليمات، شعر سعيد بأنه لا يقوى على رفع رأسه، لقد اصبح حنكه يتوسَّد صدره، حاول كثيراً، لكنه لم ينجح. ربَّت احد الحراس من الخلف على كتف سعيد:

أستاذ.. أستاذ هذا أمر طبيعي، في البداية كان الذين سبقوك يعانون من الأمر نفسه، لكنهم-وبعد فترة قصيرة- بدأوا يرفعون رؤوسهم: "لاتقلق يا أستاذ نحن قد جربنا هذا مئات المرات".