"المحطَّة" – قصة قصيرة
بدا "أبو علاء" صامتاً، مرَّت يده على صلعته العريضة التي تناسب أعوامه الخمسين، انه -بالتاكيد- يصوغ عبارات دقيقة، ولكنه تعوَّد منذ زمن ألا يتكلم إلا بعد ان يضع النظارة الطبية على عينيه، مد يده الى جيبه، أخرج نظارته، وضعها على عينيه، وانطلق واعظاً بصوته الأجش:
ياولدي لقد انطفأ كل شيء في حياتي الحاضرة، لم أعد أمتلك ما أفتخر به، لقد جعلوك تتصور بل وتعتقد أني ما زلت شجرة وارفة الظلال،
(فرك جبينه)
لقد كنتُ يا ولدي، نعم كنتُ رجلاً لا يعرف اليأس، اما اليوم فقد دبَّ القحط في حياتي، وتصحَّرتْ روحي، وطارت عنها فراشات الحب الزاهية
(تنحنح وكأنه يحاول التخلص من شيء ثقيل في صدره)
اليوم يا ولدي أصبحتُ .. (توقف لحظة) .. أصبحتْ حياتي مبرمجة، لا أقوم بأية حركة غير ضرورية، تصور يا ولدي .. (ابسم ابتسامة مهزومة) حتى في مخدعي، أجل في مخدعي لا أقوم بحركة فائضة عن الحاجة (قطَّب) ولم أصل الى هذا المستوى ببساطة، لقد كانت الرياضة صعبة وطويلة .. (لحظة صمت وعيناه تبحران في الأرض ثم انتبه) ولأني متفوق دائماً في حياتي (مد يده الى ربطة عنقه بشعور غامض) فقد نجحت في برمجة حياة زوجتي وأولادي جميعاً. البرمجة ضرورة بل انها علامة النهوض في هذا القرن، لقد أقر المؤتمر الأخير هذه الحقيقة، أجل يا ولدي، عفواً اذا ألفيتني ثرثاراً ومتحمَّسا لأنني أدافع عن حقيقة غابت عني عمراً. لقد ضاع العمر سدىً، طوبى لمن .............
أحسَّ "صفاء" بدوار شديد، أمسك بيده البضَّة، البريئة جبينه، كاد ان يغمى عليه، لكنه تمالك نفسه واتكأ على الجدار، غلَّت في نفسه العذراء أسئلة ظالمة كادت تمزِّق جوفه: أهذا هو الذي دوَّخ الإنجليز؟ ! أهذا هو النهر الذي شرب منه أخي الطِّيبة والمحبة والتضحية؟! يا للهول! ياللخيبة! وأخي ما زال يتغنى بمجد صموده، انه لم ينطق بكلمة واحدة عنه، أمن أجل هذا فقد أخي بصره؟! واخي يريدني ان .........
قطع "أبو علاء" سلسلة أفكار "صفاء"، وأيقظه بصوته الاجش مرة أخرى: وإكراماً لأخيك يا ولدي، فليس أمامي إلا ان آخذك الى المحطة، في المحطة دوما تتفتح قريحتي وأفلت من البرمجة، لا أدري لماذا أشعر باني شاعر حين أقف على رصيفها، ألمس جدرانها، أستعيد بدقة قصص حب متنوعة قد مارستها على عتبات غرف قطارها الذي ألفناه وألفنا، كان القطار ينفث سحابة طويلة بيضاء تتجمد في الهواء أيام الشتاء، وتعترينا نشوة لا نعرف سببها حين نقول: ان هذا يشبه الجو في أوروبا.
أخذ أبو علاء بيد صفاء وسار مسرعاً في الأزقة الملفوفة برائحة المطر الربيعي وهو لا يكف عن الحديث، وصفاء لا يكف عن الندم في داخله لهذه الرحلة الخائبة، كانت نظرات صفاء توحي بالبلادة نتيجة عجزه، فتغري أبا علاء بمزيد من الحديث، ربما بالغ في أحاديثه او حرفها، وربما دسَّ كذْبا كثيراً فيها، من يدري ؟ فصفاء لم يعش على رصيف ذلك الزمان، وصفاء مأخوذ بأبي علاء قبل ان يراه، وهو مأخوذ به الآن على نحو آخر، لم يترك أبو علاء شيئاً من الزمان والمكان يسمحان لصفاء ان يقول ولو حرفاً، ان يسأل او يتساءل، يصدق او يكذب، أصبح صفاء على يقين تام من انه لا يصدق ما وجد عليه أبا علاء.
أشار أبو علاء بيده الغليظة: انظر ياصفاء ها هي واجهة المحطة، انظر، انظر الى واجهتها الضخمة فانها ما زالت مرصَّعة بالتاج الملكي، بحجمه وبريقه بالرغم من اننا تخلصنا من التاج وصاحبه قبل أعوام مضتْ، لقد قبر الملك وتاجه قبل سنوات (مشيراً الى الجهة اليمنى) انظر يا صفاء، هذه نقطة حراسة كانت مخصصة لحراسة المحطة، ما زال الحرس فيها معرضين للتفتيش من قبل رؤسائهم علماً بان القطار لم يعد يتوقف في هذه المحطة، لقد قالوا ان التغيير يجب ان يشمل كل شي، ولإن هذا المحطة كان القطار يتوقف فيها فالتغيير يقتضي إلغاءها محطة للتوقف، لقد قرَّروا ان يكون التوقف الجديد في المحطة الأخرى خارج المدينة، انها تبعد عشرة كيلو مترات عن هذه المحطة ليشعر الناس بالتغيير، ولكني لا اخفيك سراً ياصفاء ان عامة الناس قد تركوا ركوب القطار لأن أجر الوصول الى المحطة أغلى بكثير من أجر القطار لأبعد نقطة يمر بها، فقد اعتاد الناس على ان يتدافعوا، تتمزَّق أرديتهم، تنشب معارك بينهم من أجل الحصول على مقعد في الحافلات الكبيرة التي استوردوها، ولا تنس ان الزحمة مجال جيد لنشاط سراق الجيوب، لقد أصبح السفر ياصفاء مشروعاً ضخماً قريباً كان ام بعيداً .(بلغة حزينة) لقد كانت المحطة ياصفاء عروس مدينتنا ، يشارك الجميع في زفافها كل يوم (مستعيدا نشاطه ونبرة صوته الأجش) هذا هو الطريق اليها، انه مرصوف ببلاط صغير جذاب، انظر، لقد استورده الهنود أيام بناء المحطة، لقد نفذوا تصميما واحداً لكل المحطات هنا وفي اوروبا .
صعد صفاء المدرج أخرس أطرش، سلم يده الى أبي علاء كأي طفل يستسلم مذعوراً ،كان الصمت الكالح يلف كل شيء في المحطة، رائحة الموت تتعالى، شيء يوحي بمجد ضائع. قال ابو علاء على نحو مفاجىء: الخوف من المستقبل صفة الانسان المتحضر، والتساهل في الأمور حكمة تقتضيها الحياة المبرمجة ليعيش الفقراء. لم يفهم صفاء ما قاله أبو علاء ، بمعنى اوضح لم يعرف السبب الذي دفع أبا علاء الى هذا القول.
(ابو علاء مواصلاً):
أجل لقد كانت أيام القطار أعياداً بالنسبة الى مدينتنا، لاحظْ ياصفاء، هنا كان الباعة المتجولون يقفون منادين، مغنين لإغراء الزبائن، هناك كانت العربات تقف، تنتظر الواصلين على هذا الرصيف. كان ناظر المحطة يذرع الأرض جيئة وذهاباً والقلق والتوتر باديان عليه، لا يستقر الا بعد توقف القطار، لا أحد يدري لماذا ؟ كان رجلاً يحب عمله لحد الخرافة، لقد ترك ابنه المريض ذات يوم في المستشفى وقال للطبيب: الآن حان وصول القطار فيجب ان أذهب الى المحطة، وسأعود بسرعة، وقتها كانت هذه الحادثة حكاية لذيذة يمضغها الناس لغايات مختلفة، والأرض ياصفاء كانت بساطاً أخضر تشرئب منها الورود ، هناك مقاعد للمستقبلين، وغالباً ما كان العشاق يشغلونها ومن غير ان يفسِد عليهم أحد ، أاجل يا ولدي تخيل المحطة، لم تكن جرداء كاليوم قاحلة تطوف فيها الكلاب، وتتجمع لقضاء الحاجة، الكلاب اخذت تقطن المحطة قطعاناً، انظر الى ذلك القطيع (مشيراً بيده) هل يمكنك ان تعدَّه ؟ (ثم بفرح عميق وصوت دافىء) وهناك ياصفاء كنت أقف متنكراً لأستلم الصحف السرية، أتعلق بإحدى العربات المتفق عليها وأدسُّ الصحف بخفة ودقة وخوف بالغ تحت ثوبي ثم أذوب في الأرض. ذات يوم واجهني أحد المراقبين بضحكة لم أستطع ان أحدِّد مغزاها ولكنها امتَصَّتْ مني كل شحنات التفوق الذي تعودت عليه........ على كل ........ حكايات ، أجل حكايات ولكنها (متأوِّهاً) والله ياصفاء انها لذيذة مثل الحب، مثل الفجر، مثل اللقاء .. (أخذ نفَساً عميقاً) كنا ياصفاء نجلس على القضبان حين يقترب القطار، نختبر قوة أعصابنا، مَن يقوى على الجلوس حتى أقرب نقطة الى القطار ؟ وكنت أنا بدون مبالغة (مبتسماً) أكثرهم عناداً وصبراً.
توقف ابو علاء برهة يلتقط أنفاسه، أمسَك بوَسَطه، بدا الزبَد واضحاً على شفتيه ثم قال بلغة خائبة: ألا يوجد ماء ؟ إني عطشان، عجيب! حتى صنابير الماء التي كنا نشرب منها، نلعب بأقفالها، نتعجَّب مِن أحجامها وغرابة أشكالها قد رفعوها ؟ لماذا ؟
(على نحوٍ مفاجىء) قال صفاء:
البرمجة يا أبا علاء. أحسَّ أبو علاء بهزيمة حقيقية في داخله ولكنه خبير في تغطية هزائمه، فواصل مرتبكاً بعض الشيء: لقد كان العشرات يبيعون الشاي، العصير، الحياة كانت تموج، الأصوات تتداخل، اللقاءات مستمرة، التَّغنِّي بسلامة الوصول ينهض من كل زاوية، الجميع كانوا يدسُّون الأحلام والأماني الحلوة في كل حركة. وعاد صفاء مشدوداً من جديد الى الصوت الاجش لأبي علاء، حركاته المخلصة، ذكرياته الحارة، كما عاد ماخوذاً بخيبته، باكتشافه الرهيب قال صفاء في نفسه: أليس أبو علاء مجنوناً ؟ مرة أخرى قطع أبو علاء اندهاشات صفاء المرعبة كالموت قائلاً: في بعض الأحيان ياصفاء كنا نتسابق مع القطار، نركض حذاءه هكذا (بدأ يركض واضعاً يديه على جانبي خصره) وما هي الا خطوات حتى تعالى نباح الكلاب من كل جانب في تلك اللحظة وأحاطت بأبي علاء. تسمَّر صفاء في مكانه، تجمَّدتِ الكلمات في فمه، من يدري لعلَّه فقد صوته .. حاول ان يصرخ ولكنه لم يفلح، مد يده الى الأرض ولكن الكلاب لم تتراجع، اختلطتْ صرخاتُ أبي علاء بنباح الكلاب الذي ظل يتردَّد زمناً ثم خبا بعد حين .