الحلم في انتظار قاصٍّ موهوب

ظاهر شوكت قرأها 6
  

كثيرة هي القصص التي يكون الحلم حلاً لعقدتها لأسباب مختلفة، فقد يفقد الكاتب السيطرة على تنامي الأحداث وإتساع رقعتها، ويصيبه التعب فيلوذ بالحلم، ينتفض مذعوراً من نومه ليكتشف أنَّ قنينة الغاز لم تكن محكمة الإغلاق مثلاً، فتلوث الهواء وصار سبباً في هذا الكابوس، ولا شكَّ في أن مفاجأة الحل تثير الدهشة، وربما حرص القاص على التظاهر بالواقعية ليحافظ على بريقه. وربما لجأ القاص الى أسلوب الانتهاء بالحلم ليحمي نفسه من المساءلة المحتملة من قبل السلطة او المجتمع. ولكن القاص المتمكن من حرفته قد يوظف الحلم توظيفاً رائعاً يجمع فيه الجمال الى الجلال، ويكشف عن إمكاناته الفنية والفكرية، يعبر عن واقعيته وعن طموحه، فهو ينتقد الظواهر السلبية ويطرح البدائل الممكنة في الحاضر والمستقبل.

ما زلتُ اذكر قصةً علمتني كل هذا، تناولتِ القصة رجلاً أدمن شرب الخمر، وفي كل يوم وبعد خروجه او محاولته الهرب من حانته المعتادة، تلقي الشرطة القبض عليه لتصرفاته الاستفزازية، ترسله الى المستشفى، يتم غسل معدته، يقضي ليله في قسم الشرطة، يغادره صباحاً بعد ان تغادر آثار الخمرة رأسه. ان هذا الاجراء الوقائي الذي اعتادت عليه الشرطة واعتاد عليه المدمن، وربما صار جزءاً من طقسه اليومي، لم يكن حلاً جذرياً للحالة البائسة التي عاشها المدمن.

تهيأ قاصٌ واع ٍ متمكن لهذا الموضوع، فكر بحل المشكلة جذرياَ، ولكن الحلول في الأدب لا يمكن ان ترد بشكل مواعظ او خطب، بدأ هذا الكاتب كما يمكن أن يبدأ به الآخرون، صوَّر جوانب من حالة المدمن قبل وأثناء ممارسته الطقس اليومي، خرج المدمن من الحانة والقت الشرطة القبض عليه كالمعتاد وطلبت سيارة اسعاف لتنقله الى المستشفى لغسل معدته وحين وُضع المدمن في السيارة منهكاً سرعان ما غلبه النوم، وبدأ دور الكاتب الواعي المتمكن لطرح الحل الجذري لهذه المأساة المتكررة، ترى ماذا فعل؟ لقد جعل بطله يحلم حلماً لذيذاً، فبدلاً من الاكتفاء بغسل معدته في قسم الشرطة، حلم المدمن بأنه قد اُخذ الى مصحة متخصصة بدأت تعالجه عن طريق الأدوية وعن طريق الرياضة والتثقيف حتى صار يدرك أن تناول الخمر هروب من واقعه، وإنَ تغيير واقعه لا يتم بالهروب منه، وصار يدرك أن الخمر تتلف ماله وعقله وتزيد من كآبته فأقلع عنها وصار يفكر في ضرورة الحصول على عمل لأن العمل لا يجلب له النقود فحسب وإنما يطوره ويمنحه قيمة اجتماعية، وحين شعر بهذا التوازن وجد نفسه يتزوج وينجب الأطفال ويتحول بيته الى جنة، ويصبح لحياته معنى ويعود معافى. بعد هذا كله ينتفض من نومه صاحياً فلا يجد المصحة ولا البيت ولا الأطفال ولا العمل انه كان مجرد حلم. المصحة التي حلم بها بطل القصة قد لا تكون موجودة في البيئة التي يعيش فيها، ولكن وجودها ممكن وليس مستحيلاً، وطريقة المعالجة قد لا تكون معروفة ولا موجودة في مكان الحدث، ولكنها موجودة في العالم ويمكن إيجادها في مكان الحدث، وهذا هو البعد الثالث الذي أضافه مكسيم غوركي الى الأدب في بداية القرن العشرين، لقد أضاف غوركي المستقبل الى الماضي والحاضر، فالبطل ينبغي له ان يتكلم باللغة الممكنة في الغد الأفضل الممكن تحقيقه بنضال الإنسان. وهناك نوع غريب من الحلم ورد في قصة لم تكتب بعد على نحو فني وإنما تتوفر مادتها الخام وعناصرها تنتظر كاتباً، هذا الحلم غريب لأنه مزيج من الخيال والحقيقة، وغريب لأنه يعكس توجه الحاضر الى الماضي ليندمج معه في عملية بناء الجانب الروحي للانسان في عصر اللهاث وراء المادة، في مدى الضجيج والعجالة والتآكل.

(جوته) شاعر ألمانيا المشهور أقام حفلة دعا اليها الكتَّاب الألمان، وأخبرهم بأنه سيعرِّفهم على صديق عزيز له، وحين حضر المدعوّون قال (جوته) مفتخراً وهو يمد يده: أعرِّفكم بصديقي العزيز شكسبير، هذا الرجل الذي جعلني عبداً له ما حييت بعد ان قرأت له صفحة. لقد مدَّ (غوته) يده ليصافح شكسبير، وشكسبير ما زال يمد يده الى الناس جميعاً، وقد مات الإثنان. أليس هذا بحلم رائع من أحلام الثقافة الحقة ؟ أليس هذا بانتظار قاص موهوب؟