"الإشارة" .. أو نهوض الخير

ظاهر شوكت قرأها 5
  

قال أحد الطيبين (لو قيِّض لي أن أعيش على سطح القمر لما نسيت ان آخذ معي قصة "الإشارة" لأغتسل بها بين حين وآخر). لقد أعادت لي هذه العبارة الشوق القديم ولم أكن سلوت ولكن زادت جمراً على جمر، فشرعت أابحث عن هذه القصة حتى عثرت عليها، قرأتها بنهم، فأدركت مصداقية ما قال الطيب عنها.

انها تتناول قصة صديقين يعملان في مصلحة السكك الحديدية بإخلاص واضح ، وكان احدهما كثير العيال فلذا كان يشكو دوما الى صديقه من الضائقة الإقتصادية التي كانت تحاصره، ويبحث عن مخرج ليأخذ بيده للخروج منها ، فيسأل ويستشير. ذات يوم اقترح عليه صديقه أن يقدم طلبا الى رؤسائه يشرح حالته ويطلب مساعدتهم ويطالب بزيادة مرتبه على نحو يتناسب مع عدد العيال، فرح صاحبنا وأعجب بهذا الإقتراح لحدِّ الدهشة وكأنه عثر على ضالته، فسارع الى تقديم الطلب وكله أمل بالنجاة لكنهم أجابوه بأن حلا مثل هذا ليس من صلاحياتهم، فما عليه إلا ان يذهب الى العاصمة حيث الهبات والمكرمات والصلاحيات الإستثنائية، وبدأ يحلم من جديد. شدَّ الرِّحال الى العاصمة بعد أن إقترض مبلغاً من المال الذي صار عبئاً إضافياً الى ضائقته. عاد من العاصمة خائباً يتشظَّى، لقد أخبروه بأن الأنظمة والقوانين لا تتناول الحالات الخاصة وهم حريصون على تطبيق المساواة والعدالة بين الجميع. لم يقنع بهذا التبرير وإنما أحسَّ بظلم العالم كله يقع عليه دفعة واحدة، فسوَّلت له نفسه الانتقام من هذا المجتمع الذي لا يرحمه ولا يهتم بحاله، فقرر أن يرفع قطعة من قضبان السكة الحديدية لينقلب القطار فيسمع العالم صوته ويدرك معاناته، في لحظة ضعف نفذ هذه الفكرة. ووقف جانباً يراقب الحالة عن كثب، تمزِّقه تساؤلات او أسئلة وعذابات منتظرة. وعرف صاحبه بطريقة ما، ما أقدم عليه صاحب العيال، فلذا اسرع الى المكان فصعق حين وجد قطعة من السكة قد رفعت ولمح القطار قادماً، بدأ رأسه يغلي ، وكاد قلبه ان يفر من صدره ووجد نفسه - من حيث لا يشعر – يخلع قميصه الأبيض ويقطع شرياناً من يده يغمس القميص في الدم ليحمر، فيرفعه ملوِّحاً للقطار كي يخفف السائق من سرعته، وظل هكذا حتى نفد دمه ووقع أرضاً. صديقه كان يراقب الحالة وهو يتوزع بين تبرير ما قام به وبين تأنيب الضمير، حين خر صاحبه نسي معاناته وعياله وهرع الى تناول القميص من يد الشهيد وبدأ يلوّح للقطار حتى استطاع سائق القطار ان يوقفه قبل الخطر، هكذا نهض الخير ثانية في داخل المتعب فشعر بالفرح لإنقاذ الناس وشعر بالهيبة والإجلال إزاء من ضحى بنفسه لينقذ الاخرين وشعر بالإهانة لذاته في لحظة ضعف غلفته الانانية فصار يفكر بالإنتقام.

ألا تستحق هذه القصة أن يأخذها الإنسان معه الى سطح القمر ليغتسل بجمالها وجلالها ليعود إنساناً يحب أخاه الإنسان؟.