لو لم يكن لدينا سعيد عقل لكان علينا أن نوجده
سعيد عقل، في غزله الخلاّق، إما حلمٌ بفتح، ساحة الكون، وإما طواف بذكريات العظائم، في هذا الجبل. وفي كلا الحالين، تطلّع الى الجمال مجسّداً، يتقلّده بهاء في عينيه، ونشيداً في فمه. عزماً في ساعديه، ورفعة في جبينه. هو على أمسه أصابع من لجين تلعب بالتاريخ. وعلى غده أنامل من مرمر تهدهد المصير. هو أطراف أداة استعملت في الفتوحات، أو في إثارة الذكريات، هو جناح لنسر، وسيف على خصر بطل، وهزجة في عين محب. وهو عنده إغراء يسكر، ودفع الى المجد يُعلي. فإلى جانب دبيب الحوافر، رنين الحليّ. وإلى جانب صيحات المغامرين، زغردات العذارى. عصف أشرعة هنا، وإشراقة وجوه هناك. طوراً صليل سيوف، وتارة هزج دمالج. انه مهرجان المرأة الأكبر، وعرسها الأعظم، يقامان، هذا على جناح، وذاك على أسنّة ورماح. أما الحب الذي نضمره لها، فحب لا يزول، لأنَّ عدة بقائه العظمة، والمصير، والمجد، والتاريخ. والجمال الذي نخلعه عليها، جمال لا يذوي، لأنَّ حلته الندى والمدى، والبهاء والسماء. الفتح عندنا لهو ببطولة. كلمة على شفة، زبد على شدق موج.
لا توسق سفننا بغير الجمال. نحمل الى الكون المريض، العافية والمناخات العالية. تمخر في العباب، وكأن قبلتنا الكواكب، وكأن مجذافي زورقنا جناحان. فنحن أصحاب الحاجة الكبرى. نحن في العقل مقاييس، وعلى الجبرية تفلّت، وعلى الطموح بدءٌ ونهايات كونية. نحن الشراع الأبيض في مدى الزمن. حتى الفقر في غنانا ترف. جمّدنا، في عيون العالم، الدهشة والذهول.
ستكون نشوتنا عظيمة بعد أنْ نحوّل الليل نهاراً.
سنختار الأبعد من الدنيا، حتى لا يبقى غيرنا، وراء الكون، سهراناً.
أما المقرّ، فلن يحدّ، لأنَّ قراره الجمال.
سعيد عقل في رندلى، كسعيد عقل في (أجمل منك? لا)، كسعيد عقل في كل ما يكتب:
هذا المتلفِّت إلى الأرز، جار الله، الى حكاية الكون، الى الشفة البكر، والكلمة العذراء، وخيوط الشراع الأولى، إلى الجمال الرسول، إلى الأمس العظيم، والغد الأعظم، الى لبنان.
تبارك هذا الهوى فيه، يكاد يكون إيماناً وعبادة، انه كل ما نحتاج اليه في حلمنا الحضاري الجسيم. فلو لم يكن عندنا هذا السعيد لكان علينا أن نوجده.
العصر. هذا العصر. بحاجة الى من يبتر الاعضاء المريضة فيه. الى من يهزّه في صقيعه ويلفحه باللهب. الى من يفجّر الينابيع، بعد ارتماء القفر في مجاريه. الى من يخلع عن التاريخ الأمجد، عباءة من غبار. الى من يفتح أمام العيون الجامدة كوى نطلّ من ورائها على الكون الكبير. الى من يشدّ عرى الإيمان المفككة. الى من يهزج بالحب والجمال في غزل ينبت حضارة، غمرناها بالقبور. الى من يرفع (الحكم) الى سدّة الإنسان. الى من يعيد أسماء أبطالنا الى الوجود. الى من يربط الأزل بالأبد، المعلوم بالمجهول، الجزئية الماهية، العقل بالقلب، العلم باللاهوت، على صعيد الخير والمحبة والعطاء.
فالحضارة التي يريدها سعيد عقل، لن تكون بنت الأمس القريب، او وليدة الغد الاقرب، إنها على البدء أضواء، وعلى المنتهى أشعّة.
إنها منارات الحواضر التي اتخذت لها على هذا الشاطئ المسنّ مرساة وقمة.
ولا أغالي إذا قلت: أن أجمل ما نعطى - ويعطاه الانسان - (سياحة في لبنان الحضارة).
كم من عظماء تركوا في أرضنا بقاياهم. بقايا (توقف عندها مصير البشر).
لذلك لن يسمح لنا بالكتابة، ما لم (نحبس الدهر في عبارة) ونسكر العقل بجرعة من الخمر واحدة.
الكل عندنا لا يحدّ، لانه (أكبر من بحر، أكبر من دهر)، وجميع معطيات الغد الفكرية، لها منه جرعة، وعليه حطة أنامل.
أرضنا مطاف (لنفر من آلهة المعرفة) أنزلوا اليها النجوم، وامتلكوا الكائنات.
فالحب والعطاء والتحضر، أقانيم ثلاثة، سكنت منذ البدء، هذا الثرى، الذي لا تنفتح عليه من أعين الناس كثرة.
ترى ستظل حكاياتنا، التي يجب ان تشغل عقل العالم، وقفاً على العيون المغلقة?!
متى يهب لبنان الى رحلته الكونية إكمالاً للرسالة?!
انه (تاريخ بلادنا في الغد، ولكنه ايضاً تاريخ الجمال).
لكليهما تمرُّ المرأة اللبنانية ببال سعيد عقل، فهنا:
هنا تحت كل ترابَهُ
مفاتنُ مجدْ
هنا الله شرّع بابَهُ
وضمّكِ ضمّةَ وجدْ
هنا جَبَلٌ، لا الأساطير أشهى
ولا الشمس أبهى
أحايينَ يُغري سهولَة
بفلّ ووردْ
أحايين يلعب، يغري البطولَهْ
برمية نردْ.
من كتاب (مع سعيد عقل) منشورات (مجلس الدامور الثقافي) .2004