الجدّ السوفييتي والكتاب...
الجدّ السوفييتي والكتاب...
د. شفيق يازجي
سألتْ شابة في مقتبل العمر أباها... عن أهمية الكتاب ودوره في صقل الفرد والمجتمع... لم يدهشني السؤال فهو نفحة لوردة تتفتح براعمها فتنظر الى السماء والأرض وتحاول أن تُوَلِّفَ بوصَلتِها في عالم الغربة.. فتكثر "أين" و "لماذا" و "أي" وعلامات الاستفهام... وإنما أدهشني جواب الوالد الذي سألخصه لكم بما يلي:
ان الكتاب هو أعظم الأشياء التي أبدعها العقل البشري ليتداول البشر من خلاله المعلومات والثقافات والتسلية والفكاهة... وقد بدأ حجرياً... ثم ورقياً يخطط عليه الفنانون إبداعاتهم وكان يحتاج تخطيط كتاب ما بين ثلاثة وثمانية أشهر من العمل المبدع... وبقي الكتاب سلعة غالية الثمن ونادرة ومحصورة تقريباً بمراكز العبادة والقصور والمهتمين...
وتابع الوالد وكانت كلماته لابنته تقطر بحب كما حبّ يعقوب ليوسف... وببلاغة كمن قرأ للتو نهج البلاغة لعلي بن أبي طالب... وهو يشرح كيف ظهرت المطابع الآلية في أواخر القرن الخامس عشر في ألمانيا وكيف انتقلت الى الشرق العربي عبر أديرة جبل لبنان والى مصر مع حملة نابوليون... لم ينكر صاحبي دور المغتربين ومن جذبتهم ثقافة العصر الوسيط في الغرب... ولا الطبقة الوسطى والبورجوازية المحلية... والأحزاب السياسية... والطبقات الفقيرة التي أقبلت على الكتاب كوسيلة معرفية لتحسين أحوالها المادية والروحية... ولأدور بعض الحكام في تسهيل وصول هذه القيمة الانسانية الى مواطنيهم وتشجيع المبدعين... ولا أهمية المدارس والجامعات التبشيرية والخاصة والأجنبية في انتشار الكتاب وايصاله الى المواطنين في هذه المنطقة من العالم... ولكن الأهم في رأيه وهو بيت القصيد... فقد اعتبر أن الفترة الممتدة بين عشرينات القرن الماضي وثمانيناته هي الفترة الذهبية للكتاب العالمي وان الاتحاد السوفييتي (SU) هو الأب الشرعي الرئيس للكتاب ولانتشار ثقافة الكتاب في العالم... تابع صاحبي... وهو يتكلم بلغة يشترك فيها الفم والعينان وتجاعيد الجبين وأصابع اليدين... لقد كان SU في هذه الفترة امبراطورية ضخمة تقودها عقيدة أرضية تؤمن بتنقية الانسان من براثن حيوانيته وأنانيته وملكيته... وتعتبر الكتاب الوسيلة الأمثل لهذا التغيير... كانت عقيدة مادية ولكن ما قدمته على صعيد المعارف والآداب والموسيقا والفنون والمؤسسات الابداعية... كان أكبر من أن يوصف أو يقارب بالأرقام... وان ماشهدته فترة مابعد الحرب العالمية الثانية في معظم دول الأرض من إقبال على الكتب والمجلات والجرائد كان بسبب ما كرسته عقيدة عشق أتباعها الثقافة وكان أداتها الكتاب... وآمنوا به كوسيلة تغيير نحو العالم الأفضل... كان أتباع تلك العقيدة وأصدقاؤها يقتنون الكتب كما الخبز والشاي... ليبحثوا بين طياتها عن عالم العدالة وعن الجنة المفقودة... عن أناس ينشدون السلام ويرضعون الشمس في كل صباح ومساء معاً... ويتبادلون القصائد ورسائل الأشواق عبر طوق الحمام الزاجل... وفي الليل يحلمون بكتب لم يقرؤوها بعد... وكان خصومهم من مختلف العقائد يجيبون على التحدي بتحدٍّ على نفس المستوى فطوّروا حضورهم وشجعوا الكتاب لدى مريديهم... وهكذا أصبح الكتاب وساماً لكل عامل أو طالب أو داعية وجزءاً من الثقافة الاجتماعية الأنيقة... أي أصبح ملح الحياة... وأصبح الناس يتقربون من المثقفين كما يتقرّبون من الأولياء... وحتى الذين لاينتمون الى عالم القراءة من أصحاب الجاه... فلم تعد تكتمل قصورهم بدون مكتبة يكبرون بنفائسها... ولو لم يكن في عمق أرواحهم شيء منها...
قال صاحبي: كان ال SU يَنثر الكتب في الأسواق كما يُنثر الأرز على العروس وينشر الورق الأبيض المطبوع بالحبر الأسود كما نشر الله العيون الحور في كل البلاد... ويرسل المنشورات اليتيمة مع ريح الليل الى أعين الحالمين من الأطفال والكبار والسيدات والرجال السود والبيض المحرومين منهم والمحرومات... لتفسير التاريخ والجغرافيا وعلم المجتمع والفلسفة والشعر... فقربوا الماضي من الحاضر والسماء من الأرض والمجهول من المعلوم... على امتداد سبعين عاما ًكان أدب تشيخوف وتولستوي وغوركي وماركيز وكافكا يملأ المكتبات العامة والخاصة ويخلق المبدعين... وكانت موسيقا باخ وبيتهوفن وموزارت وتشايكوفسكي ودوستيوفسكي وهايدن... تزرع في الآذان والعقول أنغام السماء لتخلق عالم السماء... وانتشرت الفنون الانسانية كالبالية والجمباز والرقص الشعبي وألعاب القوى والرسم والشطرنج... في كل بلدان العالم وفي كل لغات العالم بنسخة ال SU... ولم تكتف هذه المصابيح بتوليد النور فقط بل حرّضت على فعل النور عند الآخر المختلف... وعندما خبا ذلك النور تراجع عصر الكتاب كما تراجعت أمور أخرى كثيرة في العالم...
فهل كان صاحبي محقاً؟؟ وهل كان الجدّ السوفييتي المتوفي في عمر الشباب ذا فضائل كثيرة في بعث نشاطات ثقافية ومدارس موسيقية وشعراء وأدباء وعلماء...
وهل كنا جاحدين عندما رأينا السلب فيه دون الإيجاب...
وهل كنت مذنبا عندما صفّقت لانهيار جدار برلين بحماسة تفوق حماسة من حولي من الألمان... في وقت ربما كان علينا جميعاً أن نرتدي ثوب الحداد...
فما رأيكم أيها الأصدقاء؟!!.
Ch.yazigi@yahoo.com