الفنان وليد قارصلي في تجليات الرؤى والانتماء

عبد الله أبو راشد قرأها 4
 

دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (26):

الفنان وليد قارصلي في تجليات الرؤى والانتماء

عبد الله أبو راشد

أقل ما يقال في الفنان التشكيلي السوري وليد قارصلي بعد رحيله، أنه طاقة بشرية مفتوحة على العمل ومحبة الآخرين، اجتمع فيه الإنسان بالفنان المبتكر والمتعدد المواهب والصنائع.

وأكثر الناس انسجاماً مع ذاته وفنه، وصبراً على مرضه الذي أقعده سنوات مديدة. فنان عصامي أوجد له في مساحة الفن التشيلي السوري مساحة ومكانة لا يمكن لأحد إنكارها وتجاوزها بما تتمتع لوحاته من خصوصية تعبير ومعالجة تقنية، لاسيما المتصلة بمدينة دمشق القديمة، فهو واحد من علاماتها الفنية المميزة.

هو من مواليد مدينة تدمر عام 1944، عاش في كنف المدينة التاريخية الساحرة، وفي أحضان والدته الفنانة إقبال قارصلي التي أمدته بمنابت الموهبة وحب الفن. تابع دراسته الجامعية العليا في أكاديمية لينينغراد السوفيتية، حاصلاً على ماجستير العلوم الإلكترونية عام 1966، درس الفن دراسة خاصة في بداية الأمر، وتمكن بعدها من متابعة دورات تخصصية في فنون الرسم والحفر ما بين 1974و 1975، أقام مجموعة كبيرة من المعارض الفردية والجماعية داخل سورية وخارجها. وله مؤلفات موسيقية عديدة، وافته المنية يوم18/4/2006 .

عاشت مدينة دمشق القديمة بجوانحه، وسكنت تفاصيل مخيلته وسويعات صبره على مرضه وتأملاته، فكانت بالنسبة إليه موسيقا الروح، والصورة الحاضرة فوق لوحاته، ولائم بصرية حافلة بالحركة، ورقص الخطوط والملونات. فصول مكتوبة بحبر وجدانه وعلاقته الحميمة بالأماكن التي كانت صديقته في يوم من الأيام. فيها ما فيها من معانٍ وجماليات ومدارات مقاربة وصفية ما بين المتخيل والواقع المعيش.

 لوحاته حاشدة بعمائر الشام وبيوتها المشرعة على أشعة الشمس، والمسكونة بالماء والخضرة والوجوه الحسنة، والليالي المقمرة الأنيسة بالمقولات والسهرات والحكايا، والمشبعة بأحلام العمال والفلاحين، ومتعة دائمة في عيون السائحين في أسواقها ومتاجرها وأوابدها التاريخية بكل ما فيها من ألفة وجمال. نقلها الفنان بحسه الذوقي العالي، وذاكرته البصرية الحافظة، ويده المدربة على صناعة خطوط وملونات متفردة ذات مضمون ورمزية معنى، منثورة بأناقة شكلية فوق سطوح مكوناته. وأمست مدينة دمشق القديمة خليلته ورفيقة مُخيلته، المُرحب بها فوق موائد خاماته.

اللمسة الطينية وعناق البيوت المرتفعة، والحواري الضيقة في سطوحها الخارجية، وشرفاتها الداخلية المتعددة الغرف والجماليات، هي المجال البصري الأكثر وجوداً في عموم لوحاته، الذي عزف في مداراتها البصرية المتحركة ألحان مقولاته الفنية ومكوناته. متبعاً منهجه التعبيري الشديد الخصوصية واللصيق باسمه، والخارج فيه عن مؤثرات المدارس الواقعية التقليدية بالفن. مبتدعاً أساليب تعبيرية جديدة، تضعه في قائمة الروّاد في مجاله البحثي ومغامراته التقنية، وترسم مرجعية بصرية للعابرين في متن مقاماته الوصفية. لما في لوحاته من تفرد تقني ومعالجة موضوعية لمساحة مرئياته، والتي تخرج من بين يديه وحركة ريشه المتعددة باقات خطوط ومساحات ملونة سابحة بالتجانس والتوافق الشكلي والحدة اللونية، المتعددة والأحادية، والمنثورة على أنغام رقص الحركة ورسم الحدود المتداخلة لعناق مفرداته التشكيلية في كل لوحة من لوحاته، التي تغدو في حلة لونية متناغمة، مكرسة لوحدتها العضوية وبصمته الشكلية، بسطوحها الهندسية المتكسرة والحبلى بفوضى العناق الشكلي المقصود في النوافذ والشرفات والمآذن واعوجاج السطوح. أو بفطرية بنيتها الهندسية الظاهرية، الحافلة بالمعاني والجماليات، والمكحلة بخبرات تقنية تخفي في متنها ومقولاتها التشكيلية الشيء الكثير.