معلا في صالة (آرت هاوس) للفنون التشكيلية بدمشق: لوحات طافحة بالمعاني وجماليات الهدم والبناء التشكيلي

عبد الله أبو راشد قرأها 567
  

معلا في صالة (آرت هاوس) للفنون التشكيلية بدمشق:

لوحات طافحة بالمعاني وجماليات الهدم والبناء التشكيلي

بقلم: عبد الله أبو راشد

أقل ما يُقال في الفنان التشكيلي السوري أحمد معلا وبمعرضه الفني، المفتوحة أبوابه لجمهور الفن والتلقي مساء السبت 4/4/2009، في صالة بيت الفن (آرت هاوس) للفنون التشكيلية بمدينة دمشق: إنه (متنبي اللوحة التشكيلية العربية)، وفارس عصره الخطي واللوني ومقاماته الفكرية المسرودة، والمعبرة عن مساحة الانفعال وخلجات الروح والوجدان والانفعال الداخلي بالرموز والأشياء والمكونات الطبيعية وفي مقدمتها الإنسان.

وما نصوصها المسرودة إلا حالة قصٍّ شكلية بصرية متعددة النصوص والحكايات، تفوح منها رائحة الهوى والعشق والانتماء الذاتي لأصالته وحفاظه على مكانته الفنية ما بين أقرانه وسابقيه في مساحة الفن التشكيلي السوري ولاحقيه، وأمسى مرجعية بصرية وتقنية للعديد من الفنانين الشباب.

ولا يمكن للمتلقي بمختلف ميوله ومساحة اهتمامه ومجاله، إلا أن يقف أمام لوحات الفنان معلا وقفة احترام وتأمل وتقدير. وتستحوذ نصوصه المعروضة على فسحة من الوقت، والتبحر في مضامينها وتقنياتها وخصائصها البينية، والمقاربة الوصفية بين ما كان في أعماله وما هو ماثل أمامه، ومعلق فوق جدران صالة العرض - على الرغم من وحشة المكان وخطورة هندسة عمارته البنائية وسطوته وتأثيره في عين المتلقي وبصيرته- لوحات تأسر مشاهديها بفتنتها التعبيرية والتقنية والفكرة التي تود إيصالها في نهاية المطاف، وتدفعهم إلى عبور مجرتها الوصفية بلا مقدمات، وبمواجهة مكشوفة مع مقولات الفنان التشكيلية التي تشعرنا بأننا داخل أسوار مسرح بصري كبير، قوامه الخطوط والملونات وحركات الشخوص المصفوفة في متن نصوصه.

لوحات ونصوص كثيرة تشي بحقيقة مبتكرها ومنفذها، وإحالة رمزية موحية ودالة على مزاياه الذاتية ومقدرته في توصيل الفكرة واللعب على ملونات القصيدة البصرية الباهرة، والوصول إلى حافة الاكتمال الوصفي في الشكل والمضمون وجماع التقنية، ونضج ملحوظ لسلسلة تجاربه العبثية والمقصودة، المُعبرة عن وشائج الرغبات الداخلية المسكونة في جوانحه، ومنفلتة من عقال تصوراته الذهنية وإحساسه بالأشياء والإنسان، ومقدرته على رسم مدوناتها السردية اليدوية بأدوات الرسم والتلوين، ومستوعباته التقنية من أقلام وفراشٍ وسكاكين التصوير وسواها، وتطويعها وظيفياً في نسج معابر مُخيلته وروحه المتحررة من الخوف والقيود والمتداعية بجرأة وخبرة فوق سطوح خاماته المستعملة.

وهي أشبه برسائل حبّ وجدانية لذاته وفنه وجمهوره، تُمسرح الأنا المسكون فينا، بطريقته السردية المناسبة في سبك معالم قصائده الملونة بألوان الطيف الإنساني ودائرته الاجتماعية. إنها تدغدغ عواطفنا وانفعالاتنا نحن العابرين في مجرتها الوصفية، وتستنفر حواسنا جميعها وتقودنا إلى مسالك التبحر العقلاني في مشهدية الوصف ومفاتن الفكرة والتقنية ومدارات التفكير البصري، وملامسة غايات الفنان وحدود طموحاته. تلك الممتدة فوق سطوحه بألق الفكرة وتناسق اللون وضجيج الموهبة الخبيرة الطموحة، وصولاً مريحاً لرسم وتصوير لوحاته المشتهاة، وجمع فريد لمجموعة المتناقضات المسرودة في واحة تعبير واحدة، والمُكرسة لطبائعه الذاتية المتداخلة ومحيطه الاجتماعي ومتطلباته الحياتية، ما بين شخصيته الوجودية والحالمة، ورصف طرائق تواصُلٍ بصرية لافتة ما بين الفنان وجمهور التلقي.
شُغِل المعرض في مجمل لوحاته بفهم تقني وفكري عال المستوى، وغير معني بفن المصادفة والمرور التقني العابر. بل أُسس على منهجية شكلية متوازنة، تعرف حدود خاماته وأفكارها ومقدرتها الذاتية على صناعة اللوحة ذات المضمون والمعنى والقيمة الفنية والجمالية، ومواكبة لعبة السوق الفني التشكيلي بمستوى راق من الأداء. إنها لوحات تبني عوالم بوحها البصري وفق استراتيجيه الهدم والبناء التشكيلي، فهي تتكئ على قديمه الفني وتختزل رموزه ومكوناته التشكيلية السابقة وتزيحها من واحة مسرحة البصري، لمصلحة الجديد، المتجدد فكرة وأسلوباً وتقنيات. يطوع الفنان (معلا) من خلال تفاصيلها عنق نصوصه الشكلية، رغبة منه في توليد رواية بصرية، سردية طويلة المقامات الشكلية ومساحة التفصيل والتأويل. كل جزئية صغيرة تتم جزئية مماثلة، أيقونات مسرودة في فسحة مكان العرض، تصنع تاريخها البصري عبر حلقات متكاملة من النصوص. متواليات جامعة في متنها شخوص آدميين من جميع الطبقات والميول، يُغادرون سدة الواقعة النمطية المعروفة، انحيازاً مكشوفاً لتعبيرية الرمز والإحالة والتزود بثقافات الشعوب المحيطة وتراثهم، وبمقومات المنطقة العربية وذاكرة المكان السوري بجمالية طافحة بالمجاز والاختزال الشكلي. تسترق عيون مبصريها وعقولهم، تُطلعهم على ناصية المشهد الشامل وتجلياته العامرة بالخطوط والملونات والأفكار. ويبرز تجليات الموهبة الذاتي ومفاعيل الدراسة الأكاديمية والاشتغال المهني في جوانب الابتكار المتعددة في السينما والمسرح والتلفزيون والأدب وسواها، وإدراج خصاله مجتمعة في بوتقة ابتكار واحدة، قوامها هذا الكم من اللوحات التصويرية والنسيج البديع لتفاصيل الصورة البصرية وآليات السرد التقني.