نار وحبّ وأشياء أخرى

ظاهر شوكت قرأها 5
  

كعادته، استيقظ ضحى الجمعة متاخراً، متثائباً، نهض من سريره، امتدَّت يده اليسرى ليرفع (بجامته)، بينما راحت يده اليمنى تحكُّ راسه بلا هدف، قسمات وجهه مشدودة تقطر تعباً واضحاً، خطا خطوات مفضوحةَ الأصوات، وألقى بنفسه على الكرسي في الشرفة المطلة على الساحة الواسعة قبالة الشقة التي يسكنها، تلك الساحة المرعبة ليلاً بجدرانها الصمّ والتي قسَّمتها إلى مربعات غير متساوية وأوجار.

حين صافحتْ عيناه النخيل الصابرة، المطلة على الساحة، كرَّر بحماس واحتراق أسئلته التي لم يجد لها إجابات تقنعه منذ زمن: بستاننا هناك، كانت تجود بالفرح والزيتون، كيف سرقت وتشظينا؟ هذا ما لا أستوعبه أنا ؟! فكيف أطالب الآخرين أو أتوقع منهم استيعاب الحالة؟!

أطلقَ حسرة، ثم أسرعَ وبلغة من يكتشف الآن لغزه المحير، مبتسماً قال: إنها النار التي خبت، النار تأكل كل شيء إلا الذهب فهو يزداد لمعاناً كلما تعرَّض لنار حامية، فحين خبَتْ نارُنا، تكاثرت الطفيليات وانتشر السرطان في كل مفصل، توقَّفَ لحظة معجباً بهذا التعبير، واصلت الأفكار تتناسل في رأسه من غير حياء أو رحمة، عيناه تحدِّقان في لا شيء، وكأنه يصغي الى أصوات في رأسه، ويحرص على ترجمتها، ثائراً قال: ولكن كيف خبَتْ نارنا ؟

عضَّ على شفتيه وبقوة: لا تقلْ خبتْ وإنما انطفأتْ، ثم بلهجة اشدَّ استنكاراً: لا تقلْ انطفاتْ وإنما قلْ أُطفِئَتْ. ضرب بقوة على الطاولة، وهل هناك من لا يدري كيف أُطفِئَتْ ؟ ألم يتعاون الجن والأنس على إطفائها ؟ ملايين الأطنان من التراب والبارود هالو عليها ليمنعوا وصولها الى الذهب، فهم يدركون خطر اتِّقادها، هذا هو الذي حدث، أمسك برأسه بكلتا يديه وكأنه يحاول أن يمنعه من التَّشظِّي، وردَّد بحزن عميق: يا إلهي اما  لهذا الليل من آخر ؟!!

انتفض مستنكراً: اوو..... عدتَ ثانية إلى الإسطوانة المشروخة ؟! كفى، ثم بصوت أعلى: "كفى كفى"، لكنه توقَّف مبهوراً وكأنه عثر على جواب حقيقي لكل الأسئلة التي تغلي في رأسه المسكين بلا رحمة:

إنها إرادة الله، فلو لم يكن راضياً عما جرى وعما يجري لغيَّر الحال، ألم يقل في كتابه إنه أقرب إلينا من حبل الوريد ؟! ألم يقل: "ياعبادي ادعوني أستجب لكم"، فهل من المعقول أنه لا يوجد رجل صالح أو امرأة صالحة شريفة أو طفل بريء يدعوه ؟ فلماذا لا يستجيب ؟! شعر بشيء من الخوف يسري في دمه، فهز رأسه عاجزاً يستغفر ويكرِّر: أعوذ بالله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ربي عفوك.

خطا نحو المغسلة، شرع يغسل وجهه على نحو آلي، أفكاره كانت تتقطع مع كل قبضة ماء، تتلاشى في أصواتها، داهمه سؤال جديد، "وماذا ستطبخ اليوم ؟"، ابتسم ببرود، ثم تحوَّلت الإبتسامة الى ضحكة هازئة، "أنت مجنون حقاً، هل تناولت الفطور حتى تفكر بالغداء ؟! ألم أقلْ لك أنَّ الشرقيين لا يفكرون إلا بمعداتهم و...........؟"

وهو يتناول لقيمات مع الشاي الحار، قرر أن يطبخ الفاصوليا الجافة، إنها حلمٌ أخضر للشرقيين، فهي تملأ البطن، تنفخه، ثم تمتد اليد لتلامس البطن بحركة دائرية إعلانا عن العافية.

_ أنت غبي حقاً، كيف نسيتَ ؟ ألم تنقع الفاصوليا مساء أمس لتنتفخ ويسهل طبخها ؟

_ وضع القدر المليئة بالفاصوليا الجافة والطماطم ولوازم أخرى على النار، ثم أسرع إلى المذياع محاولاً العثور على أغنية قد توقد شمعة في زوايا روحة المتعبة، لحظات وانتابَه السأم، فاقفلَ المذياع، وعاد الى جلسته قبالة النخيل الصامتة، الصابرة، حاولت الافكار جذبَه مرة أخرى الى البستان هناك، لكنه تغافل بقوة، وتشاغل عنها بإعداد لوازم حلاقة لحيته، وهو يدندن ليقمع أشياء في داخله، هذا ما أدركه تماماً.

بعشقٍ نظرَ في المرآة، مرَّر يده على جوانب خده قائلاً بدهشة المكتشف: "حلاقة رائعة، يالك من شاب وسيم !"، ثم تحسَّر: "ولكنك خائبٌ كمئات الألوف من الذين ضاعوا ويضيعون على أرصفة الغربة اللعينة"، شعر في داخله بصوت يؤنِّبه: لا تجحدْ فضل ربك، فأنت تختلف عنهم، إنك تعمل بأمان وضمان، أما أولئك فهم يمضغون هاجس الخوف من أشياء كثيرة، وباستمرار.

جلس مرة أخرى على الكرسي، ألقى بذراعيه على الطاولة، راح يبحر عبر النخيل قبالته الى النخيل هناك، حفنات دسمة من ذكريات طفولته وشبابه المتَّقد في البستان هناك، تذكَّرَ جيداً كيف كان يحدِّق في القمر بلا خوف، كيف كان يضحك من حرارة الشمس بالسباحة في نهر البستان، ثم يجلس على كتف النهر يلتهم الكمثرى بشغف، يملأ بطنه بالتَّمر الطري، يلقي النواة تلو الأخرى في النهر لتشكل دوائر يتابع اتساعها حتى تتلاشى، يميل برأسه مصغياً بعشقٍ الى أصوات البلابل والهزَّار، ثم يصرخ بأعلى صوته: أحبكم، أحبكم، أحبكم، ويتلذَّذ بسماع الصدى، بعدما يرسم على كتف النهر صورة حبيبته التي لم يطَّلع على اسمها إلا الله وهو.

نهض مذعوراً إثر شمِّه لرائحة كريهة اخترقتْ خياشيمه، انتصبتْ أذناه وكانه يتوجَّس السمع، جحظتْ عيناه بفزع واضح، وهو يكرِّر الشَّم حتى اقتنع بأنها تأتي من الساحة المقابلة.

زادتْ دقَّاتُ قلبه، غاب الدم من وجهه، لم تعد قدماه تحملانه بثقة، اندلقَ لسانه يمسح شفتيه الجافتين جداً، حاول ابتلاع ريقه، قد تكون هناك جثة قتيل أُلقيتْ في الساحة، إنها الطامة الكبرى فانا رجل غريب، مَن سيصدقني ؟ مَن سيرحم دموعي واحتراقي ؟ لقد كنتُ دوماً أسمع منهم عباراتهم الجارحة: "إنك تقبض بالعملة الصعبة"، ولاحظتُ البعض ينظر بشهية مفتوحة للحسد الى شقتي المعلقة، ألا يحق لي أنْ أتوقَّع منهم ............؟ صحيح ، أنا لست شحَّاذاً ولا سارقاً، وانما أعمل بكفاءتي، بشهادتي، ولكن هل يمنع هذا أولئك الذين يذوبون حسداً من أن يفكروا بأساليب للمساومة ؟ توقع كل شئ، ألم يكفهم ما سببوه لك هناك، ولكن لماذا كل هذا ؟ لماذا ؟ ما زلتَ غراً تلتهمك الطفولة، فلو فكر الناس على النحو الذي تفكر به أنت، لما احتاجوا الى المحاكم ولا الى الشرطة، انتبه الى نفسه: ها عدتَ الى الفلسفة ثانية ؟ هيا تصرَّف.

وجد نفسه على الأرض، كيف نزل السلم ؟ بالضبط لا يدري، وكالمجنون راح يبحث في زوايا الساحة، تسلق السور كقرد خائف، وجد خلفه جلدة خروف بين الأشواك، تسلَّل بعض الأمان الى قلبه، إذن هذه  ......... لكنه انتفض قائلاً: ولعلَّها حُشيتْ بالجثة ! كاد قلبه يمزِّق صدره ليفلت، وهو يمد  يده اليها، شعر براحة لذيذة حين تأكد من انها قديمة، فارغة، لكنه شعر بعطش شديد، عاد أدراجه ساخراً من أفكاره السود، لكن قلبه كان يقطع عليه الشعور بالأمان ، انه يضطرب بقوة .

جلس الى الطاولة يقول: إنك سيِّءُ الظَّن، تبالغ في الأمور، لماذا تفكر على هذا النحو ؟ الجميع هنا صاروا يعرفونك، فأنت لا تعرف إلا القلم والورقة التي تندلق عليها أفكارك الحزينة، الجارحة دوماً، أنت ........ نهض مذعوراً حين لطمت الرائحة الكريهة ثانية أنفه، عاد يرتجف، أخرج لسانه مرات ليمسح شفتيه، اخترقتْ راسه فكرة مأمونة حين قال لنفسه: ألا يحتمل أن تكون الفاصوليا عفنة؟، أسرع الى (الطبَّاخ)، شم الفاصوليا بعمق، لكنه لم يجد فيها ما يؤكد اعتقاده، مدَّ إصبعه فيها فوجدها باردة، انحنى ليرى النار فوجدها قد انطفأت ومنذ زمن، أخذ يصرخ فرحاً: إنها النار أيضاً، ثم أطلق حسرة حارة: "آه لو استمرَّت متَّقدة".