"ميكلوس شوغار" ضيف الأوركسترا السمفونية -
المذاقات المجرية تفعم الكون الرهيب بموسيقاها
من مذاق المجر، من نكهة توابل بارتوك وليزت، من أعشاب كودالي الغجرية، مدَّت الأوركسترا السمفونية الوطنية وليمتها بقيادة فنان من تلك البلاد أتى مشرّبا بعصارة موسيقى المجر، من دفق الدانوب الأزرق، ميكلوس شوغار، المؤلف المعاصر والضيف على أوركسترانا الوطنية التي ما كادت تودِّع الأسبوع الماضي ألان باريس ومعه عازفة الكمان آن-صوفي لو رول، حتى كان لقاؤها مساء الجمعة في كنيسة القديس يوسف بإبن المجر المسكون بإرث ليزت وبارتوك وكودالي، الجامع من تأثيراتهم ما أمكنه أن يكون قائد موسيقاه وتعرفنا به في هذه الأمسية عبر معزوفته "لقاءات" المختصرة ذلك الأمس الغني بتراثه في موسيقى إختبارية، تجريدية، ماهرة بترصيعاتها الدقيقة، متينة في إيقاعاتها السريعة، المحسوبة بقيراط الجوهرجي، وتبقى قدمها متجذرة في الأرض اللأم.
في أعلى القائمة فرانز ليزت. المجر وطنه، بيد أنه غجري في روحه الهائمة في البلدان التي وسّعت آفاقه من فرنسا إلى إيطاليا وسويسرا، ومن أسفاره هذه رائعته" سنوات الحج"، دون أن يغيب عن موسيقاه الكبرى تلك التي تعرّف إليها في الموسيقى الغجرية، لا سيما في "رابسودياته المجرية".
يبقى ليزت حاضراً في الجداريات المجرية في كلِّ من روائعه، هو الذي اعتبره تاريخ الموسيقى مؤلفا أساسياً في موسيقى القرن التاسع عشر، وحاضراً في أمسية الجمعة وميكلوس شوغار يمهِّد للكلمات الأولى المنسابة بسكينة من الأقواس، في "بريلود"، هذا العمل المتكامل في تصويره الطبيعة البشرية كما الكون الهادر- الساكن في البحار والأرض والسماء.
سخّر ليزت لهذه التحفة جمهوراً من الأبواق النحاسية والخشبية والآلات الوترية لإفعام هذا الكون الرهيب بموسيقى تضاهيه رهبةً وجلالاً. على المنصة كانت تحت ذراعَي القائد ترتسم من الآلات جداريةُ الأرض الهادرة والرياح بأعاصيرها والبحار بأمواجها العاتية المنسوجة كقطع الباتشوورك المختلفة بعناصرها المعدنية والهوائية.
ومن المناخ الغجري ذاته، بيلا بارتوك الحائز القسم الأكبر من القائمة، وكان نصيبنا منه المناخ الفولكلوري الذي جاء به إلى موسيقاه من ترانسلفانيا ورومانيا. وكم تمنَّيتُ في سرّي أن نستمع بدل هذه الايقاعات الراقصة إلى كونشرتو لأوركسترا هذا العمل المتكامل في وجدان بارتوك وجوهر رسالته. بقي لي من تأسفي هذا أن أنعم بالأسلوب الذي راقص به بارتوك إيقاعه. الصور مثيرة، عنيدة بمتطلباتها التقنية، كأننا أمام صور متحركة لخيول جامحة تحرق الأرض بعدْوها المدوزن بدقة، كأن الراقصات بفساتينهن المبرقشة وجدايلهنَّ يتطايرْن رشاقة، والدبيكة يضربون الأرض بأرجلهم فترتفع أجسادهم مع الأقواس وتنزل معها متزامنة مع المشهد المنظور والمشهد المتروك في الخيال.
من الفولكلور المعالَج بمهارة، وبعد ليزت الكوسمي الأرضي نفتح صفحة إصغائنا على عالم شوغار التعبيري، النابع بلا شك من أحداث مضت فتركت في ذاكرة الصبي ومضات، شرارات، فقاقيع ما كاد يهم بالتقاطها حتى غارت بين أصابعه فأعطت في سن التأليف والابداع مقطوعات تسنَّى لنا الاستماع إلى نموذج منها "لقاءات". وفي مستهلِّها حديثٌ بين آلتَين وعبارات متفرّفة. عجيبة هذه الموسيقى الخارجة عن مألوفها لتعبير أقوى مفعولا. للمخيلة فيها حرية التأويل. لذا أتجرأ وأقول أن الكمانات كانت في حزها البطيء ترثي والأبواق تنعي. هل تتراءى أمامنا صورة مدينة منكوبة؟ يبقى أن شوغار كسر الحدود بين موسيقى التراث والعالم ليبني بحرية المتطلع إلى البعيد موسيقى تتمازج فيها جذور بلاده بعرق الجاز والموسيقى الكلاسيكية.
وتركت الأوركسترا زلطان كودالي للختام هذا الذي ترك بعد ثلاثين عاماً وأكثر على رحيله برنامجاً موسيقياً ما زال يتعلم فيه أولاد المجر. من بارتوك إلى كودالي تبقى موسيقى المجر في أجمل إشراقتها. "رقصات غالانتا "من أعمال كودالي المعروفة، المرصودة للمفاجآت الطريفة، الدرامية المشغولة بيد حرفي في صوغ المنمنمات الباهرة بمهارتها وحيويتها، وحيث فعلاً تلعب عصا الساحر، في هذه الرقصات التي لم يستطع النغم الإيقاعي إخفاء الطرافة الشبقية المتسللة بجرأة في نسيجه بين العازفين والقائد تواطؤ بريء لا يغدو كونه إداءً تحاورياً ماهراً، تبرز منه صورة كودالي النيو- كلاسيكية والتقليدية معاً.
يبقى المشهد الأخير الأكثر تأثيراً في الحضور، والذي يختصر آداب الموسيقى وأخلاقيتها، فحين تأتي الموسيقى إلى الختام ويدعو القائد العازفين إلى الوقوف، بدءاً من عازفي الأبواق، دالاً على كل عازف بمفرده ثم وذراعاه مفتوحتان يطلب إلى كامل الأوركسترا في النهوض، وفي هذا التقليد المسرحي إعتبار وتحية للعازفين.