وينـــــــــــن؟؟؟؟؟
وينـــــــــــن؟؟؟؟؟
حبيب حبيب
هل البيت مكان؟ ..
أم أنه كل الزمان في مكان؟ ...
تحضرني هنا، نغمة كلمتين تتسللان على أذن أي منّا يومياً ومن أي منّا: (راجع ع البيت أو رايح للبيت).
إنها اللحظة التي يشتاق إليها كل إنسان، بالرجوع بعد تعب النهار وأحياناً يتمنى أن يعود قبل أن يهمّ بالخروج.
لا يختلف إثنان على دفء وحميمية المكان ولا على الارتباط الأقوى في الوجود بين الإنسان وبيته، باستثناء من فقد نعمة الارتباط هذه، لظروف قد تكون ذاتية أو قسرية، عندها يكون قد خسر كل شيء مهما كسب.
هناك من يختار لنفسه بيوتاً تختلف كلياً عمّا قصدت، عن قصد أومن غير دراية: منهم من يختار البغض بيتاً أو الغيرة أو العدائية أو الخيانة أو حتى البخل.
أما البيوت البيوت فلها أسماء عديدة: الوطن، الإيمان، الوفاء، الحب، المعرفة، العلم، الثقافة الفن، الجمال،...
عندما التقطت أصابعي القلم، كنت قد هممت بكتابة فكرة تجوب في داخلي وأنا أكتب عرفت إلى أين وجهة القلم أو وجهة ما يملي خاطري عليه نعم إنه يلامس الورقة ويرتفع ليرسم إعجابي وعشقي للجمال وبيته.
ابتدأ يرسم ملامح.. (جمــــــــــــــــاليا).. بيتي.. بيتكم الذي نحنّ ونعود إليه، كما يحنّ قلمي إلى مشوار أطرح به سؤالاً:
هل هو معرض للكلمات أم أنه معرض لأدب الكلمة التي في البدء كانت؟
وكما تصدق الكلمات وتقول: البيوت بأربابها..
كيف إذا كان البيت (جمــــــــــــــاليا)!!
يرعاه مفيدٌ.. مفتوناً بالجمال، يداري "جماليا"، يرمّمه برموش عينيه ويغنيه بمعرفته وقلمه ومحبته وسهره وبدموع الفرح والحزن.
ابن أرضي، ابن هذه التلال المطلّة على طرابلس وجبال لبنان الشمالية، تتبادلان العشق والجمال لنرى فيهما لآلئ من الأضواء تغمز وتتغامز في سواد الليل، تتراقص ومضاتها على نسمات ليالي أيلول الذهبية وعلى يسارها شاطئ المتوسّط الفضي صباحاً والذهبي ليلاً..
عرفته هنا على باب الجمال الواسع من وفائه للإبداع وجماله.. طائراً مهاجراً تلالنا الخضراء وشاطئها المرئي، شاطئ الفينيق، إلى صحراء الرمال الذهبية وذهبها الأسود.
يتصبّب عرقه كل يوم مرتين، مرّة من شدّة الحر والغربة وقسوة الأعمال، ومرّة عندما يطير إلينا حنيناً وقد ألهبت به الغربة الشوق لبيته، موطنه، موطن الإبداع، محمّلاً بجماليات الأدباء والشعراء.
كل يوم تكبر ثقتي بوفائه وقلبه الكبير وحنانه والتزامه وثقافته العالية.
انطلق من إبداع الرحابنة فكانت جمعة الفرح في واحة الجمال وبيته، وكانت ألوان الصيف وأزهار ونباتات تلك التلال الجميلة وعطرها، يرعاها رعاية المحبّ الصبور المتفهّم القارئ المدقق المخرج الكاتب الشاعر المعلِّق المهندس.
واضح تعاطفه وعاطفته واهتمامه وتشجيعه لكل قلم يبدع من أية أرض كان، إذ ليس للجمال حدود بل له رحم واحد وحضن واحد ولغة واحدة، وقلوب وعيون جميلة تعشقه ولو حجبته كل غمامات القبح.
كم كان كبيراً، حنوناً صبوراً حزيناً عندما انكسرت الخواطر على بوابة الوئام والنقاء وهي تنتظر زهرة الجمال ايريس وقت كان الموقع يزهو بكلماتها.
كان كالذي فقد الجمال.. فقد الفرح.. فقد الكلمة شاغلة البيت بأجمل الكلام. ليعبر بنا مواسياً رغم انتصار قسوة اللحظة وحزنها، مضى بنا كما تمنّت فقيدة البيت الغالية إلى شاطئ الكلمات، فكانت لحظات الانكسار مخاضاً لانطلاق الكلمة من جديد، الرحمة لها والبقاء للكلمة.
واستمر البيت وكان الوفاء ببقية أهله:
مفيد مسوح، يتضاءل حجم كلماتنا أمام كلمته، ليبقى هو ربّ البيت الساهر.
ياسمينة جماليا سوزان ضو التي علمتنا أن في قسوة الانتظار نشوة، وفي نشوة اللقاء يأرج العمر، طلّت ترفع راية بيضاء في غابة من الرايات الرمادية. تحكي ببراعة لغة قلوب تتلاقى بعفوية الألوان مع لون العقل، عن خصلة شعر متمرّدة وقبلة عاشق على الجبين بعبق البياض، فكان صباح الجمال قوس قزح على عنقه عقد الياسمين يسافر العصفور منه وإليه مهاجراً حزيناً.. عائداً مغرّداً.. معاتباً...
لتعود وتشغلنا في وسط الأسبوع بخواطر تكتنز عمقاً إنسانياً جميلاً.
وكما حبّة اللولو تقع من قطعة سماء يأتينا دوماً رسّام الكلمة الشاعر هنري زغيب لتقع كلماته مضيئة على صفحات الجمال، بثقل أدبي ووطني، لايملّ من تزيين أدراج الفن والصعود بها ودعوتنا إليها.
وبراعة هذا الإياد الشاعر، إياد قحوش بجمالياته وصلواته الشعرية ووفائه لحرف نقي عذب ينحته ببريق ذكاء يخرج من عينيه، وبعودة ليلة صيفية هربت من زحمة العواصف، اقتربت من صدره أكثر وسمعته كيف يتنشق الشعر من عرق جده وحكمته، ومن تجاعيد وجه جدّته في شقوق مرآة عقولنا ودفء حضنهم والطبيعة، من صرخة الثمل بالعنفوان والعطاء إلى قلب الشهادة (أبو جرجي).. لأسمع زفرة بحجم إحساسه.
وحنا نور الحاج الغائب الحاضر بلغته المستقيمة الحكيمة وهدوئه وتنوّع ثقافته عندما يروي لنا بإضاءاته كيف أن الأقل يفضي إلى الأكثر.
محمود الشاعر حتى إشعار آخر وإلى آخر القصائد التي لم تأتِ بعد. ندره ع يازجي الذي يتنقل ويسافر بين الكلمات والحروف يبحث عن المرتجى من خلاصة عمر كان الشعار به يكبر ليصغر ما قبله ويوهمنا بكبره، دريد الإبن الوفي الصديق.. وكم بعذوبة كلماته نقي، المبحر وراء المحيطات ليمسك الحلم، عاد ليخبرنا أن الحلم كنّا به وخرجنا منه واهمين، د. شفيق طبيب الكلمة الراقية وجملة الحكمة وحكمة القول، عطيه مسوح الباحث دوماً عن الغنى ليغنينا والاعتدال بقنديل عدل، د. مسوح مسوح بترجماته ينقلنا إلى عالم من الشعر الراقي، لا حظّ لنا بالإطلاع عليه لولاه، أحمد الخميسي المسافر بنا دوماً إلى حضارة الفراعنة المنتقلة إلى الثقافة المصرية الحديثة، جوزف أبي ضاهر شاعر الغيوم والعصافير، شوقي مسلماني الهادئ شعراً ونثراً... يبتسم ونبتسم لظلّه السخي ونقول ويقول له برقّة نسمة: شكراً لكل الياسمين، جولييت الإقحوانة كما رآها إياد وأصبحنا نراها وهي كذلك.. أيتها المتوسطية الفصول وزهر شِعرك من أجمل القول، اشتقنا لك.
الأديبة فاطمة ناعوت، غريس عوض، غمكين مراد.. باسم قباني، الخ...
ومع حفظ الألقاب والتراتبية لكل هؤلاء المبدعين ومع الاعتذار من كل مبدع في هذا البيت سقط اسمه سهواً أو كان تقصيراً بإيصال حبي له فليس القصد، أشكرهم جميعاً على مساهماتهم التي تغنينا وأدعوهم للاستمرار بعد صيف أخذهم منّا فترة طويلة.
ومن محبتي لهذا البيت... من حقي أنا وكلّ المحبين أن أسأل عن كلّ الغياب وفي القلب دائماً الأغلى هو (الغائب حتى يحضر) نسأل عنه بلهفة وشوق، كلّ الحاضرين نحبّهم لكن أحبائنا أصحاب الأقلام المبدعة الغائبين دائماً عيوننا وقلوبنا عليهم وسؤالنا.
وأيضا عقد القراء الرائعين وأصحاب التعليقات التي تصل أحيانا إلى مرتبة الكتابة المبدعة وتتجاوز، والتي تدلّ على عمق متابعتهم وثقافتهم التي تغني عقولنا وجماليا وتضفي ألواناً من التفاعل وحيوية التواصل الجميل للغيّاب الأحباء..
وينـــــــــــــــــــــــــن...
شكراً للجمال وعشاقه