شرق أنظم جديد
قبل موعد هذه الشعوب مع أنظمتها الفاسدة المعادية لها والبعيدة عنها والصديقة لعدوّهاـ بالثورة بأشهر..
ولأيّام كنت أسمع من نوافذ البيوت عويل امرأة وكأنّها تستغيث من كارثة أو مصيبة، فتساءلت هل عادت عادة "نفض السجّاد"، التي كانوا يحكونها لنا، إلى مجتمعنا في هذا العصر؟ كان الجواب ابتسامة... لا.. هذا تسجيل لصوت امرأة جُلدت في السودان، في ساحة أمام الناس لأنّها لبست بنطال تحت كومة ثياب.. سألت وهل هذا هو الكرباج؟! وهل هذا هو الذي يجلدون الناس به كلّ نهار ويقودونهم به إلى الصلاة؟ ولماذا طويل هكذا؟
حتّى سقوط (الكارت) الثاني في قائمة الحكّام بعد ثورة الياسمين، في قائمة لا أدري من رتّبها.. إلى هروب "الفاتح" من الكارت الثالث.
كنت في حالة استقالة من سماع نشرات أخبار متكرّرة منذ عشرات السنين. حيث كانت الحصيلة معاداةَ مقاومةٍ تسبّبت بهزيمة عدوّ أرعبنا بشعاره الذي صدّقناه أنّه لا يقه،ر وقمع انتفاضات متكرّرة وسجن عشرات الألوف من الفلسطينيين.
سبب ثانٍ هو الخوف على ثورات الشعوب بعد نجاحها.
حكّام وصلوا إلى مادون الله بغيمة، ترضى عنهم ربّة الكون وربيبتها إسرائيل، حيث ثقبوا بدخّان ترفهم طبقة الأوزون التي تحمي رؤوس شعوبهم في الصحراء، وأتوا لنا بآيات خضراء جمعها مفكّرنا "بكتاب أخضر".
وعلى عهد آل "مبارك " بنيت ثلاثة آلاف مدرسة دينية في مصر، ومطابع للكتب الدينية حيث قلّ الدين في قصورهم وعقولهم وبحضرة شقراواتهم.
أقلعت عن سماع الأخبار إلى صوت فيروز.. الصوت الرائع الذي فهم إبداع الرحابنة ووطنيتهم جيّداً ونقلّه لنا بذكاء وروعة، هؤلاء الذين لم يتعلّموا الوطنية من أحد بل علّموها ويستمرّوا، بتعليمها بأعمالهم التي تصلح لكل حالة وزمن..
رحابنتنا لغز كبير.. كانت كلّ الشعوب تسمع خطابات حكّامها، ووحدهم كان كثير من الحكّام يسكتون في حضرتهم.
أحبطتني (ثورة الياسمين) لسبب حضرني ولم يعد يغيب وهو أنّني من اليوم الثاني راهنت على أننا سننسى (أبو عزيزي العظيم) "المسكين".
وحدها تسمية شارع في فرنسا باسمه، ستذكّرنا به إن مرّ بنا هذا الشارع. وسيوزّعون لنا توثيقاً عنه.
أمّا (ثورة ارحل)، التي شعارها "الشعب يريد إسقاط النظام" أدخلني في اليأس، إذ لم يتعوّد سمعي على شعار فيه هذا الهدوء والسلم...
وظهر مبارك على الشاشة قبل أن يرحل يمنّن شعبه بإنجازاته وذلّه له ويخيفه ب (راجح) آتٍ .
من ينسى هذا الحاكم الذي سجن شعب غزّة بأكمله وحرمه من الوقود والغذاء؟؟؟
وقتها يئست من (ارحل) وردّدت "الريّس سيعيد إسقاط الشعب".
من يدري؟ فهو الآن يحتلّ شرم الشيخ بحماية اسرائيل.
بالأمس استفاق سمعي على صوت "سيف الإسلام"، هذا السيف كان يزرع الخوف من الحروب الأهلية والتقسيم ومن "راجح" آخر.. سألت نفسي بأيّ صفة يتكلّم هذا السيف ويخطب بالشعب، لم أجد جواباً إلاّ لأنّه.. سيف..
راجح الثاني.. الذي خطّ معجزة العصر وملحمته "الكتاب الأخضر" بالذهب الأسود، وشقّ النهر العظيم معتقداً أنّه سيحصد المجد والعظمة.. فقد ظهر اليوم في سيّارة عتيقة تمشي على رؤوس "الكلاب" المقصوفين من الجوّ، هؤلاء بالأمس كانوا أطفالاً يهتفون ويقدّمون له باقات من الزهور. واليوم رفضوا قصف رؤوس أهاليهم بالنار.
القذّافي وقذّاف الدم وسيف الإسلام يتحكّمون بدولة هي الرابعة في الكون بإنتاج النفط...
سمعت للقذّافي مرّة حكمةً، بجوابه على سؤال للإعلامية "ماغي فرح" عن مسيحيّي الشرق، فأجابها بكلّ بساطة، بما أنّهم أقلّية، ولينالوا الأمان فما عليهم إلاّ أن يعلنوا إسلامهم، أجابته: ولتعلن الأقليّات الإسلامية في الغرب تنصيرها أيضاً.. تلعثم القذّافي. وخفت بأن بخفيها مثل موسى الصدر.
كم هو مؤلم منظر ثروة أبناء تونس، أموالاً وذهباً ومجوهرات تصطفّ بأناقة اللصّ على رفوف تحت عبارة هذا من فضل ربّي.
إلى الآن هاهو زين العابدين حيّ يصرف، ومبارك بهواء شرم الشيخ استعاد "بنكرياسه" وقد يستعيد النظام، أمّا القذّافي فإنّه تعهّد بالحرب الأهلية ومن المؤكّد أنّه لم يمت بها، وهو قادر بأمواله أن يستحضر مرتزقة افريقيا كلّها، وأن يبقي الفوضى في ليبيا أكثر من ما حكمنا العثمانيون.
بقعة ضوء واحدة، هي أنّ الأنظمة التي عادت شعبها وصادقت عدوّه وشاركته في امتصاص خيراتها تستجديه للحوار.. هل هذه حقيقة تصدّق؟! أم أنّها الفوضى "الشرق الأوسط الجديد"؟؟؟
لماذا أمريكا تسكت بالسياسة منذ بوش؟ ولماذا اسرائيل لم تعد تستفزّ الفلسطينيين؟
قد أكون جاهلاً في السياسة لذلك أتابع الأسئلة:
لماذا اسرائيل قلقة على تلك الأنظمة؟
لماذا حالة العداء لكلّ من يضيف نصراً كبيراً أو صغيراً يتسبّب بهزيمة لإسرائيل؟
الآن أدركت سبب طول الكرباج وهو أنّ الجلاّد يخاف ضحيته.