تعطي الحياة.. وهم يقتلون

حبيب حبيب قرأها 805

كم أقع في حيرة من أمري وعمري يا أمّي عندما تدمعين لمشاهِد القتل على هذه الشاشة الصغيرة والتي لا ترتاح.

كيف أعتذر منكِ عن تلك الصور المنقولة بالبثّ الحيّ والمباشر، وهي تهزّ أمومتك التي وحدها تعرف قيمة الخلق.. ورهبة القتل، ولا أحد في هذا الكون يعرف هذا الشعور إلاّ الأمّ.

بالأمس القريب كانت الجثّة تُغطّى وتُحجب عن الناظرين فور أن تفارقها الروح، وتجمد القلوب والعيون رهبة..

الآن ماذا أفعل هل أبدّل المحطة؟ لن يتغيّر المشهد، العدد هنا أكثر وعويل الأمّهات أكبر.

 مَن يقنع الأمّهات أنّ كلّ أبنائهنَّ يموتون شهداء من أجل الأوطان، أو العدالة؟.

 وإلاّ فكيف عدوّ الأمس صديق اليوم .. والعكس؟!

عن من أعتذر لكِ.. ومنكِ؟؟ وكيف أُحجب عنك هذه الشاشة، التي يُفْتَرَض أن تُدخِل شيئاً من الفرح إلى قلبك، فوجع البشر الذي قبلَها كان يوجعك دوماً أكثر من وجعكِ؟.

أمّي الآن على أبواب طفولتها الثانية، وكلّما أتى عيد يكبر الحزن في عينيها.

أجمل الهدايا التي تفرِح كلّ أم.. هي أن يأتي عيدها ويسْلم أولادها؟

لا يمكن أن تمرّ بعينيها وبقلبها.. بآن، فرحة "هدية" و"مشاهد القتل" لأيّ كان.

أمّي مثل كل هؤلاء الأمّهات الذينَ ربّينَ أطفالهنَّ "كل شبر بندر"، ليأتِ من يقتلهم والعزاء الوحيد: (العوَض بسلامتكنْ، الّلي أعطى.. أخد).

  ماذا أفعل لطفولة أمي، أندّد.. ألعَن.. أكتب؟

أنظر إليها صارت تدمع وتتكلم حزناً أكثر مما تسمعني..

أعتذر أعتذر..

أخجل ياأمي.. هؤلاء الأطفال الذين يقتلون في أحضان أهاليهم وهم جائعون وخائفون، لا حيلة عند أهلهم سوى البكاء وطلب الرحمة من السماء.

علينا من  الآن أن لا نتزوّج أبداً، ونخجل من قصف الهواء والسماء بالرصاص والقنابل المضيئة بمناسبات "أفراحنا بأعراسنا.. وتشييع جثامين ثأرنا "على مرأى من عيون أطفالنا، ليعود ويأتيهم القصف على رؤوسهم  من السماء.

علينا أن لا نزوّج أولادنا لكي لا ينجبوا أطفال مصيرهم الموت أو الهجرة، وتحترق قلوب الأمّهات انتظاراً ولا يعودون..

نحن أمّة كفرنا بكلّ شيْء ولازلنا نكفّر العالم.

نحن أمة وُهِبنا كلّ الطاقة، وقلوبنا وعقولنا تبحث بإصرار عن الظلمة..

نحن أمّة يرانا كلّ من يطير في الفضاء أننا البقعة الأكثر عتمة على هذا الكوكب.

أمراء أمّتي يضيئون العالم ببترولنا إلاّ قلوبهم وأوطانهم.

يملئون مصارف العالم بفلوسهم إلاّ مصارفها.

علينا أن نخجل ونحن نلتهم الطعام الساخن ونحتجّ على ملوحته وأرقام القتل ترتفع، ونصبح عدّادات للقتلى ونتجادل على الأرقام.

صار الدم يسيل من الشاشات..

إليكِ أمّي مع اعتذاري.. كل عام وأولادك سالمون وعيونك أقلّ دمعاً، وكلّ أمّهات وطن لغتي، وأمهّات العالم.