نشيـد الهوى...

د. محمود إسماعيل خليل قرأها 7
 

نشـيدُ الهــوى.....

د. محمود إسماعيل خليل

أنتظـرُ طويلاً حبـّاتِ المطرِ ترقص على أضواءِ المدينةِ النـّائمة، تنتظمُ يوماً عقداً فريداً تتمازجُ حبـّاتـُهُ فوق رخامَ نحرك العاجيّ،

أنتظرُ كلماتك، همساتك،

وقع ُخطاكِ أمامَ بابِ حديقتي،

يرقص الليلكُ على السـّياج، ويضوعُ عطرُ الغاردينيا على مشارفِ الذاكـرة يحملني كما الموجُ يحملُ زبــدَ البحر لينتهي على صـدرِ الشّاطئ الأنثى ليُولدَ من جديد كما(أدونيس) متجدّداً كلَّ عام ٍإلهاً فينيقياً

تنبتُ من دمِهِ شقائقُ النـّعمان..

تحطـّين في قلبي حمامة بيضاء كالرّوحِ القـُدُسْ فأنحني أمام يوحنّا معمـّد ِالمسيح وأُطيل خشوعي...

وأسألكِ ... أهوَ الحبّ ؟

تقولينَ: بلا....

وأعرف أنـّك ستنكرينني ثلاث مرّات ًٍقبلَ أن يصيحَ الـدّيك.

وأتخيلك كما (هيلين ...) إبنة (زيوس) الرّائعة الجمال التي أشعلت (حرب طروادة).

(عيناكِ حمامتان، وحبّك ألذُّ من الخمر، ورائحة عطورك شـذيةٌ واسمك أريـــجٌ مسكــوب) ..

أعرفُ أنـّك لستِ لي....  ولكنـّني أحبك وأنا قبلَ ذاك عشت ألـفَ عام ولم أختبر نوعاً من العشق كهذا.

وأبكي حتى الثـّمالة.. كما بكت( راحيلُ) أولاد بيتَ لحم  بعد أن قتلهم (هيرودوس)

أستيقظٌ في حـُلـُمي فأراكِ أمامي ترددين كما (شولميت):

(اجعلني كخاتم على قلبك، كوشمٍ على ذراعك، فإنّ المحبة قويّة كالموت، والغيرةَ قاسيةٌ كالهاوية، ولهيبها لهيب النـّار، كأنـّها نـــارُ الـرّب).

مباركة ٌ أنت بين النـّساء، وحديثك الطري يصيبُ بالثـّمل وتقولـــين:

أحبك بالسـّر

وأعرفُ أنّ (جوبيتير) في عليائه ِيضحكُ على قسَم العشّاق الكاذب كما قالَ (شكسبير) على لسان (جولييت)، ثمّ ما يلبث أن يأمرَ (إيولوس) بأن تذرهُ أدراجها

حقـّاً إنّهُ من الخير أن تكونَ ثمّةَ آلهة

فلنؤمن إذن بوجودهم

ولنحرق لهم ُالبخـــور

ولنسكبِ النبيذَعلى المذابحِالعريقة.

وأستذكرُ (أوفيد) يجلجلُ عالياً:

(أي (ديانا)

يا ربّةَ القمر

لمَ يحمرُّ خدّاكِ خفراً؟

أوَلمْ تقعي في حبائلِ (أندميون)؟

وأنت يا(أورورا)

ياربـّةَ الفجر الورديةِ الأنامل

ألا يعروكِ الخجل وقد راودتِ (كيفالوس)عن نفسهِ؟

وأنت يا( فينوس) التي ما تفتئين تبكين(أدونيس)

هلا أنبأتِني عمـّن أولدك (أينياس) و(هارمونيا)؟

فالمتعة منبعها باق ٍفيكنَّ لا ينضب

مهما اغترف العشــّاقُ المتعة تلو المتعة.

الصـّلبُ يذوبُ ويبلى الصـّوان

بينما لا ينفذ ذاكَ النبع).

وأتركُ (أوفيد) لأتذكـّرَ صنوهُ (النّواسيُّ) صارخاً من النشوة:

ألا فاسقني خمــراً وقل لي هي الخمــرُ

ولا تسقنـي ســرّاً إذا أمكنَ الجهـــرُ

ويقف (الخيـّــــام ُ)في محرابِ تصوّفهِ متعبـّداً ثملاً بنشوة خمرة الإله

فيصيحُ طرباً:

أطفئ لظـى القلب بكـأس الرّضــاب   

فإنـّمـا الأيـّـام مثـلُ السـّــحاب

وتتفتـّقُ عتمةُ الليل عن(باخوس) إله الخمر مداعباً (كيوبيد) مبلـّلاً جناحيه بالنـّبيذ فيثقلهما مانعاً إيـّاهُ من التـّحليق.

بوركتَ يا باخوس فلولاك ما عرفنا متعة الثـّمل بعد الصـّحوة...

(حين يتيح لك سخاء (باخوس) أن تجاور امرأة

في حفل شراب

اضرع ربّ شعائر الليل الماجنة

أن يحول دون أن تدير الخمر رأسك

حتى تملك القول في كلماتٍ مقنعة تلفت انتباه جارتك إلى أنـّك تعنيها بحديثك.

ولترسم بالخمر على المائدة كلمات الإطراء الرّقيقة

كي تطالع فيها أنـّها ملكت قلبك.

أرنُ إلى عينيها بمقلتين تحملان الاعتراف بما يُشعلُ صدرك من جوىً

فربّ نظرةٍ صامتة حبلى بأبلغ كلام.

وكن أوّل من يقبض على الكأس التي لثمتها شفتاها

وارشف من حيث رشفت).

أي مريدي...

هذا ناموس الشـّراب فاتبعه تأمن:

(احتسِ من الخمر ما لا يُذهبُ بصفاء ذهنك، أو يخلّ بتوازن قدميك)

وأعود (للنـّواسيّ) وهو يردّد ُثملاً

فلمـّا شربنـــاها ودبّ َدبيبــها

إلى موطن الأسـرارِ قلتُ لها قفـي

مخافة أن يسطــو عليَّ شعاعهـا

فيطلع جلاسي على سـرّي الخفـي

أي( أوفيد)...

والآن وقد فرغتُ من نشيديَ الأول

فلنلقِ بالمرساة هنا هنيهةً...

كي يخلد َ قاربنا للــرّاحة قبل أن نَصِــلَ الرّحلة..