المعهد الوطني الموسيقي في بيروت يمنح "الزرُّ الذَّهبيّ" لـ"ألان باريس"
|
إنها أكثر من قراءة للنَّص الموسقي وأكثر من تمعُّن في أسلوب تركيب الجملة ومفاصلها. هي تلك الكيميائية العجيبة التي تتنقل بين القائد والأوركسترا، النافذة من أصابعه، من ذراعيه، من الحمَّى التي تشرَّبها من المؤلف وعالمه الغامض والمرتدُّ مفعولُها على العازفين، جعلت البنيانَ المؤلَّف من بيتهوفن وشوسون ورافيل وديكاس هندستَه الدقيقة، الشفافة والمتينة معاً. في هذه الأمسية المميَّزة في كاتدرائية القديس يوسف كان لقاءٌ شيِّق بين ألان باريس السَّاكب من كرْمة الموسيقى الفرنسية خمراً طيبة ومن عظَمة بيتهوفن ما يشبه التأليه، وبين الأوركسترا والصبية اليانعة آن – صوفي لورول عازفة الكمان المبكِّرة في استلامها قوس الكبار والتحليق بها من أعوامها الـ16 على جناح رافيل و"غجريته" الصعبة وشوسون و"قصيدته" الهوائية – المعدنية، المنسجمة بقوامها، المُرَّة في نشازاتها الراقية، البريئة. في مستهل الحفل، علَّق مدير المعهد الوطني للموسيقى وليد غلمية، "الزر الذهبي" على باقة ألان باريس مانحاً إيَّاه باسمه وباسم الأوركسترا السمفونية الوطنية، في حضور وزير الثقافة والتعليم العالي طارق متري وسفير فرنسا في لبنان برنار إيمييه. كان بيتهوفن وافتتاحية "ليونور" في أوبراه الوحيدة "فيديليو" مُفتَتَح الأمسية الموسومة في القسم الأكبر منها بمناخٍ فرنسي من زمن الانطباعية الملوَّنة بقشعريرات التنويسات والظِّلال. بهذه التُّحفة المحروسة من التاريخ ضد النسيان والإهمال، خلقت الأوركسترا المناخ البيتهوفني، بقيادة تجمع بين الاعتدال المتزهِّد والحِمَم المرفهة. هذه الأوركسترا التي أصبحت للبنان المؤسسة الجامعة في كل أسبوع أعداداً غفيرة من ذوَّاقي الموسيقى الكلاسيكية، بفضل مسارها الجدِّي والفاعل من موسيقى الباروك إلى ما بعد الرومنطيقية، وبذلك التوازن الشامل تاريخ الموسيقى والتجدُّد الملموس أسبوعاً تلوَ أسبوع، دخلتْ ليلة الجمعة في صلب الموسيقى الفرنسية، بعدما حيَّت بيتهوفن وبطلة أوبراه، ليونور، وبين الموسيقتين مسافةُ تاريخٍ وتأمُّل، لم تترك لبيتهوفن، على الأقواس المتمادية في "قصيدة" شوسون، أثراً. أسلوب ألان باريس النقيِّ، القارص، الحامل بين أصابعه الجمل وأحرفها كحبَّات الفسيفساء، حصل من عازفيه على النهوض بهذا العالم الرنَّان، بتنويعات تعابيره ورهافة الألوان الحميمة. تابعنا إيماءاته الهادئة، المهتاجة، الشاعريَّة، العاشقة، الإعصارية، يحرِّر بها القوى العجيبة المكتوبة في النَّص الموسيقي دون أن يتعثَّر لحظة بمنطق الخطابة، بيتهوفن كان ينضحُ بالمشاعر الإنسانية في هذا المدخل المختصِرِ حبكةَ الأوبرا كلها، الرَّاسمِ القصيدة السمفونية ومراحل الدراما وقدر ناسها، إلى أن يعلو صوت الترومبيت الخلاصي المحرِّرِ الإنسانية المعذَّبة من الظُّلم والإهانة، وأطلق آن – صوفي لورول الرقيقة كعنف القصب المائي، لتُنزف على كمانها "قصيدة حب" لشوسون و"غجرية" لرافيل. والخيار صعب، يتطلب نضجاً وتطوُّعاً، وانصهاراً كلياً في بنية المقطوعة وروحها. وأجادت. الكلمات الأولى لهذه القصيدة تناولها الشيللو والألطو، واذا بالهوبوا يعلو من الهناك أثيرياً طرياً، يدعو كمان آن – صوفي للالقاء. وراحت القوس تموج على الأوتار، شاعرة في هذا الزمن الانطباعي الموشَّى بالظلال والأنوار الخافتة، والأوركسترا تنسج هالة شفافَّة حول رومنطيقية الإلقاء، متواطئة مع النَّبرات الأنيقة، الملتاعة، الغنية بأحاسيسها الجوانية. فلا شك أنَّ آن – صوفي لورول ترسم مشاعرها هي على نصِّ كلٍّ مِن شوسون ورافيل. فها هي في "غجرية"، تقتحم بقوسها عالم الغجر، فيتلوَّن عزفها بهم. كل ما حولها صمت. وألان باريس يصغي بتقوى الى أسلوب هذه الفتاة، الجارح، المسنون كحد السيف، تتجرَّأ على التفاصيل الخارقة، واثقة من رؤى قوسها في عالم غيب رافيل. نستوعب أولا، دقَّتَها، صوابَها ووفاءَها للنص. إنها فعلاً مرآة لهذه الغجرية، في تنويعها "التامبو" والنبرات والتنويسات، سعيدة في ولوجها مشاعر رافيل وتلك التناقضات البارزة بين عصب القوس والأوتار المطواعة. من قصص شارل بيرو، استوحى موريس رافيل موسيقاه على حكاية "أمِّي الوزة" من "حكايات أزمنة مضت". في خمس حركات كتبها رافيل للبيانو، تطورت موسيقاه إلى باليه وأوركسترا، وتركت آن – صوفي المنصَّة للأوركسترا بكاملها، لتهدهد هذه الاجازة "الولادية" لرافيل، بأسلوب الرَّاوي المتمهِّد، الهادئ وبين القائد والعازفين تمر ُّالألوان موشَّاة بذهب الخرافة، بليغة في محاكاة من احتفظوا بحرز الطفولة في قلوبهم. "أمِّي الوزة" شرّعت أبواب حديقة السحر. كانت نبرات الجاز تلتقط مفاصل الجمل وتهيج إيقاعها بعد "زلقات" رائعة من الكمانات. وكان الختام لبول ديكاس في مقطوعته الخالدة "مطلق الجن" المستوحاة من "بلاّدة" لغوتيه. هنا والبرنامج آل إلى فراق، وهنا الإصغاء أكثر ونلتقط العبارة تلو الأخرى بخيالنا وأحاسيسنا. ديكاس لم يعبر قبل اليوم في ريبرتوار الأوركسترا الوطنية، لكنه دخل على طرف مشاعره، ووزَّع مِن سحره على الآلات التي راحت تمجُّ النغم بطعمه الجديد، وترسمه لمساتٍ مرتعشةً تفتِّت المشهد وتعيد جمعه. رأينا ألان باريس يراقص الإيقاع، ومن تموجات جسده المتمايل ما يفعم الأوركسترا بملوانة أوركسترالية غنية. لقد دخلنا في حميميات حدائق شوسون ورافيل وديكاس والأوركسترا توزِّع علينا من محصولها درراً معطَّرة، طيِّبة المذاق. |