آلان باريس في بيروت - لقاء

مي منسى قرأها 4
  

"آلان پاريس" عازفاً منفرداً على جميع الآلات في بيروت:
يكفي أن نكون معاً لنحتفل بالإنسان وأرضه

من هو هذا الرجل الواقف على المنصة يلوّح بجناحي ذراعيه، يهدد بأعاصير جسده، يكتب بأصابعه المسرعة، المهتاجة، روح النغم وأسراره، فيعلو البنيان الأوركسترالي، متخاوياً، متحاوراً، مدعوما في إسمنت الموسيقى الأبدي؟

من يراه موظِّفاً كل ضلع من ضلوعه، كل مفصل، لهذه الرسالة العظمى، ولا يسمع موسيقاه، يظنُّه فزَّاعة الكروم المتحركةalaansgggggdgdds.JPG على إيقاع الهواء لإخافة العصافير. بيد أن النغم متأصل فيه، نابع من مسامِّه، رنَّانٌ بين أصابعه، يطلقه، فيعمُّ السحر بينه وبين العازفين، بين العازفين والناس. إنه قائد الأوركسترا، ذلك العازف المنفرد على جميع الآلات، وفي آن واحد.

أدمنَّا مشاهدة "آلان پاريس" كما أدمنَ، هو، الأوركسترا السمفونية الوطنية، يحمل إليها مع كل دعوة من غلاَّت الأرض الفرنسية، يضع من أنفاسه الرقيقة، الشاعرية، لمسات من ألوان مائية، تطيِّبب المشهد الموسيقي وتبث بين طياته غَزلاً أثيرياً.

بعد أقل من شهرين على وقف الحرب المدمرة على لبنان، لبَّى دعوة مدير الكونسرفاتوار الوطني وليد غلمية والسفارة الفرنسية في لبنان لإحياء حفلٍ مساءَ غد، وفي اقتناعه أنه يشارك معنويا في رصف حجر في هيكل الثقافة والإنسان في هذا البلد.

*  زيارتكَ الخامسة للبنان تعني بلا شك صداقتك للأوركسترا السمفونية لا سيَّما مديرها وليد غلمية، لكن هل ثمة في هذه الأمسية التي ستقدمها مساء غد الجمعة في كاتدرائية القديس يوسف إرادة منك لمشاركة اللبنانيين أمنياتهم؟

-  الإثنتان معاً. كان هذا المشروع مقرَّراً منذ أوائل العام. ولم يتردَّد وليد غلمية في إدراجه في موعده، متحدِّياً العثرات الصغيرة والكبيرة. لبيتُ الدعوة حاملاً معي راڤيل وبيتهوفن ودوكاس وشوسون، وأيضاً حجراً صغيراً أشارك به معنوياً في إعمار لبنان.

*  هذه القائمة ترشح أخباراً سارة وليست من نوعِ موسيقى المناسبات المكسوَّة بهالةِ مآسي الحرب ..

-  رغم أن البرنامج كان مقرَّراً منذ أشهر، حاولتُ أن أضيفَ عملاً يوحي جروح هذا الوطن، ويكون التعبير فيه شبيهاً بالصمت البليغ. خشيتُ أن تحمل هذه المبادرة تطفلاً أو مبالغة. قلتُ في سرّي لماذا الحاجة إلى مرسال نبعثه من خلال الموسيقى. يكفي أن نكون معاً لنحتفل بالإنسان وأرضه.

*  على مرّ العهود كانت الأغنية هي المنذورة لنقل أوجاع الإنسانية، ومحاربة الحروب والظلم. "جوني كليغ" فعلتْ أغانيه فعلها في محاربة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا وتحرير مانديلا من السجن. كما أن نصوص "بوب ديلان" أثارتْ حميَّة الشعب الأميركي ضد حرب فييتنام. هل استطاعت الموسيقى الكلاسيكية عبر العصور أن تغيّر العالم؟

-  أعتقد ذلك، لكن من دون أن تكون سلاحاً أو وسيلة للثورة. الموسيقى الكلاسيكية هي أولاً عزاء، وحضنٌ نحتمي فيه، ومساحة لقاء وتقارب. يكفي أن نفكر في القاعدة التي تتكون عليها الأوركسترات السمفونية. الأوركسترا السمفونية اللبنانية نموذج صارخ لكل اللبنانيين، بتنوع مراجعها ولغاتها وثقافاتها، وحين يحملون آلاتهم ويصبّون اهتمامهم في توليفة واحدة، تتماهى الفوارق وتتَّحد القوى. من النماذج التي تستحق أن تُذكر، المعجزة التي صنعها "دانيال بارنبويم" في جمع شمل شباب، جنباً إلى جنب مع إسرائيليين وفلسطينيين كانوا مرصودين للتنافر والمجابهات، تغذِّي أحقادهم السياسات المدمّرة. إنهم منذورون اليوم للعيش معاً وإرسال بلاغات السلام والتعايش معاً عبر الموسيقى.

*  قد يكون من السهل العمل على الإنسان في سنِّه الفتية قبل أن تتغلغل فيه الذاكرة البعيدة، حاملةً الأحقاد المزمنة.

-  لقد قطفهم بارنبويم قبل أن ينضج ثمرهم، وقبل أن تغدو الذاكرة حافزاً لعفويتهم المحشوة بالتساؤلات. مرات عديدة تكلمتُ عن التسامح والقبول فكنت أسمع من يجيبني: "آه! أنت لا تدرك قساوة ما تكبدناه". أتذكر والديَّ يرْويان المقاومة والاحتلال في فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية. لقد تطلب ذلك كله سنوات عديدة قبل أن تذوي هذه الأحاديث مِن حاضرنا، ويتطوع أشخاص لإنجاز تقارب مشرِّف بين فرنسا وألمانيا. لكن أفكر بكم، فأيُّ معجزة ستزيل هذه المآسي التي تتخبطون فيها. ما من رجاء يأتي إلاّ تتبعه كارثة. أودُّ في هذا السياق أن أعبّر عن إعجابي بالشعب اللبناني، القادر على البناء بعد كل خراب، وإزاحة الركام عن رأسه لينتفض إلى الحياة من جديد.

لا بدّ أن أعود إلى سؤالك حول رسولية الموسيقى. أجل، تلعب الموسيقى دوراً كبيراً في التَّسامي والتَّعالي على الأحقاد، شرطَ ألا تخرج عن دورها. فكم من الموسيقيين أُبعدوا من المانيا وروسيا لعدم انتمائهم إلى عقيدة أو حزب. كم من المؤلفين وقادة أوركسترا دفعوا باهظاً ثمن حريتهم، أمثال ڤاغنر الذي أُقصي عن المانيا، وڤون كارايان الذي اتهم بالعمل للنازية، وغيرهما. هكذا تفقد الموسيقى مثالها البسيط ومعناها الخام، الصافي.

*  كقائدِ أوركسترا، جوال بين أوركسترات العالم، ألا تشعر بالغربة أمام وجوه جديدة ولغات وأعراق؟ كيف تتخاوى مع هذا كله؟

-  هذا التناغم داخل عالم الأوركسترا لا يقوم عليَّ بمفردي. هناك أفراد الأوركسترا وظلالهم، ومن هم وراءها. الأوركسترا هي كجبل الجليد، المرئي منه أقلُّ بكثير من المخفي. المخفي هو العمل الذي ينجز أثناء التمارين ويقوم على بناء الأوركسترا ووجودها. أشخاص يجهزون للموسيقي مقعده ومقرأته، ويعيّنون للاعلام موعد الحفلة. اللائحة طويلة قبل الوصول إلى رأس الهرم، الى قائد الأوركسترا الحامل في ضميره وعلى كتفيه أوركسترا بأفرادها.

*  لا شك أن الموسيقى الفرنسية تحظى بأولويات خياراتك.

-  بكل تأكيد. فأنا، كأوبيليكس، وقعت صغيراً في خلقين الموسيقى السحري. الموسيقى الفرنسية هي لغتي، وتسري في عروقي، ومن ميزاتها الأرثية أنها علّمتني سبل شرحها للموسيقيين، أو بالأحرى كيف نعزفها.

*  هل وجدت صعوبة في تمارينك هذا الصباح مع أفراد الأوركسترا لا سيما أن دوكاس وشوسون غير مألوفين في الحفلات؟

-  أعترف أن ثلاثة أرباع العازفين كانوا يجهلون مقطوعة شوسون "مطلق الجن" و"أمي الأوزَّة" لراڤيل. عملنا على أن نذهب معاً في التوليفة لاكتشاف مضمونها. هم أمام لغة يجهلونها، وعليهم البدء بتهجئتها. الصعوبة ليست في عزف النوطة. بل في الأسلوب. ثمة آلاف الوسائل لعزف جمل موسيقية، الخفيفة، الأثيرية، الحسويّة، قوة الضرب على الوتر. هنا يتدخل نفس قائد الأوركسترا واستيعابه الكامل للمقطوعة. أتذكَّر ذات مرّة في مدينة دريسدن الألمانية المشهورة بعازفيها التقليديين ومهارتهم الجدية، كان ثمة في البرنامج "ﭙيلياس وميليساند" لـ"فُوري"، مقطوعة لم تدخل يوماً في "ريبرتوراهم" فراحوا يعزفونها بروح براهمز المتغلغل في دمهم. كانت النتيجة جميلة لكن لا تمتُّ بصلة إلى فوري.

*  هل استطعتَ أن تعيد أوركسترا محترفة، عتيقة، إلى صواب الموسيقى الفرنسية؟

-  ثمة معضلة أساسية في مهنتنا هي الانجراحية التي تجعلنا نتعامل مع الموسيقيين بكثير من الحذر. لقد ولّى عهد قادة الأوركسترا الجارحين كـ"ڤون كاريان" مثلاً أو "توسكانيني" المريع الذي كان يُهين العازفين. تماريننا معه أسطورية. أما اليوم فأنطلقُ من هذا المشهد الإنساني: نساء ورجال متأهبون أمامي لتقديم إمكاناتهم وطاقاتهم، بأخطائهم أيضا كما بأخطائي. عليَّ أن أدرِّبهم، أن أمشي الطريق معهم. وعليهم أن يعزفوا. الموسيقى إذاً آتية منهم، من أياديهم، من أصابعهم، ومن أنفاسهم. وبقدر ما أُبدي سلاسةً معهم تكون النتيجة قمحاً.

*  لكن كيف أعدتَ في دريسدن مياه "فوري" إلى مجراها؟

-  أذكر نافخ الفلوت، هذا الفنان القدير الأشيب الذي أطلق نافور مزماره في مقطع "صقلية". بلطف حاولتُ أن أشرح له أن هذا المقطع كناية عن رقصة خفيفة، إيقاعية، مترجرجة كالنسيم. كان يبتسم بلا نتيجة. في تلك اللحظة لم أجد سوى تشبيه مناخ فوري بالضباب. قلت: تصوّروا أنكم في قلب ضباب. فجاء التشبيه كالمعجزة ليفكَّ الكوابح عن الآلات. أوحتْ لهم هذه الصورة حالة جعلتهم يمضون معي في نسق "فوري".

*  أتكون في سلوككَ الموسيقي هذا رسام الموسيقى الانطباعية؟

-  البريطانيون هم من أطلقوا هذا النعت على الموسيقى الفرنسية، نعتٌ مقيَّد وصحيح في آن واحد. فالألوان لعبت دوراً كبيراً في الموسيقى الفرنسية، في نهايات القرن التاسع عشر، بطريقة صوغها باللمسات والتنقيط. وقد نجد هذه الانطباعية وخصوصاً لدى ديبوسي، ولا وجود لها في موسيقى راڤيل، هذا الكلاسيكي، الشاغل موسيقاه كالحلى الثمينة. وفي لبِّ هذه الانطباعية يدخل دوكاس وفوري.

*  ما هي الذكرى الموسيقية التي لا تزال توسوس في فكرك؟

-  أول كونشرتو قدته مع ليلي هاسكين، عازفة منفردة على الهارپ. يا لها من سيدة الرنانة، رائعة، سخية.

*  كم للنبرة الصوتية أهميتها؟

-  صحيح. اللون هو الصبغة التي نكسو بها الصوت. وكم يغدو ضوضاء إذا لم نحسن استعماله، كما يفعل موسيقيو اليوم في حضارتنا المعاصرة. فبقدر ما يستنفرون بعزفهم، تكبر نشوتهم وتتمدد كالمرض المعدي إلى سائر العازفين والمتلقين.

*  هل أثّر الجاز على الموسيقى الكلاسيكية؟

-  أجل، بدءاً من راڤيل، مروراً بالعديد من الموسيقيين ووصولاً إلى غورشوين وبرنشتاين. الكل استفادوا من هذه التجربة ليخلقوا مزيجاً من لغات، أهمهم بول هندموت وكوبلاند اللذان أدخلا الجاز إلى خطابهما الإلكتروني. لا ننسى أن موسيقى العالم في تطور وحركة دائمة. موسيقى هندية، أفريقية، عربية تعبر الحدود إلى الشمال لتتخاوى بنبرات غريبة وتصبح مع الوقت من نسيجها.