رائحة النعنع لا تعترف بحدود

حبيب حبيب قرأها 90
  

رائحة النعنع لا تعترف بحدود

حبيب حبيب


ككل مراهق فتي كنت أستفيق صباحاً بعد سهر طويل مع رفاق العمر وتوائم الروح وأصدقاء الحياة، حياة المراهقين الذين ينامون على حلم ويفيقون على آخر ومن دون عناء ولا غوص في كيفية العيش واستمراره، بعد سهر وحديث وجدل عن الأغاني والمطربين وعن طيارينا وعدوّة وجودنا اسرائيل، وأحلام الشباب الثائر للتغيير،
وعن كل جميل في هذه الدنيا، ومع الأصوات العالية والقهقهات وصوت المسجل العالي ولعب الورق والنقاشات التائهة..

أخرج في الصباح إلى الدار.. سطح البيت القديم أمام بيتنا الذي أصبح قديماً الآن، بجسمي الفتي لأتباهى بعضلاتي المفتولة من الرياضة ورفع الأثقال والكرة الطائرة الجميلة.
أجلس على فوهة البئر لأشرب فنجان قهوتي مع صوت فيروز، متوهما ًأن الدنيا لي ولحلمي.. لا يزاحمني في سكونها سوى صوت عصفور أو حفيف أوراق عريشة العنب ونسمة هواء شرقيّ جاف تحت شمس أيلول.. لأسمع صوت رذاذ الماء يشقُّ سكون الصباح ويتناثر على ورداتنا ودائرة النعنع ومن ثم يعود الرذاذ إلى وروده، تعبق رائحة العطر والورد الجوري وأسمع جارنا يهمس رندحة جميلة لفيروز، نغمات صباحية تتوالف مع صوت  الماء وتفتّح الزهر.

جارنا كان يعشق الصبح ولا يزعجه، أرفع عيني البليدتين من طول السهر لتتلاقى مع عيونه الحنونة الثاقبة الذكية الدافئة..

-     صباح الخير يا حبيب

-     (بخجل): صباح النور أستاذ

ما أجمل هذه الكلمة وكم هي محببة لكل طالب أحبَّ أستاذه...، فيها النبل وكل المعاني الجميلة.

صباح النور يا أستاذ (حليم..) صباح العنفوان..

طلتك تسافر بين أوراق الورد والنعنع، شبهك الصبح وأنت كنت شبيهه يا أبا الرجولة، أيها الباسم الأشقر صاحب النظرات الخضراء الواثقة، المليئة بالأبوة والقوة والحنان.

* * * *

رحلت باكراً..

وإلى الآن كلما أرفع رأسي إلى شرفتك أراك..

أرى الصورة المرسومة بخطوط الوجدان على صفيحات دمي وعلى صفحتي عيوني الماطرة.

كنت أستاذي وجاري...

وكنت كل يوم أرفع رأسي كما علمتني.. (خلي راسك مرفوع ).. لأراك  فوق، أتمنى أن يأتي المساء سريعاً لأسمع دعوة بصوتك الدافئ  لتسلق قمتك.

كنت تقول لي إصعد ولا تأبه.. أتسلّق الحدود تحت زهر الرمان،
والتي ضيّعت معالمها الورود وشجرة الرمان والليمون (ورائحة النعنع التي لا تعترف بحدود )، وإلى الآن لا حدود...

كنت أتسلق لأقطف من شجرة لسانه أجمل الكلام وأعذب ما نُطق وقيل في اللغة العربية.
هو رجل اللغة ولسانها، عذباً لدرجة اختصارها بالآه.. واعتقدت أنّ الآه لا تستطيع أن تثقب البولاد.

إذا تكلم، أمنيتي أن لا ينتهي الكلام.. شيّق مشوّق.. هادئ أحيانا. تارةًً تعلو نبرة صوته الدافئ وتارةً تنخفض ليعود ويشغلني بالانصات جيداً. مثل قرار وجواب موسيقيين. لا تستطيع أن تشرد عمّا يقول، بمقدرته يُحببك بكل كلمة يقولها وبكل فكرة يشرحها.
أما الشعر فكان يمرُّ عبره ومن قلبه، فثقافته وذاكرته مطواعتين لحضور أي قصيدة للمتنبي أو أبو العلاء أو أحمد شوقي  أو رواية لنجيب محفوظ أو لجرجي زيدان أو... كل ما حوى أدبه وأدبنا العربي من كنوز.

دفِقاً في الشعر ولكن... مثل الكثيرين ضاعت أوراقه وأشعاره ووجدانياته بين الجرائد والمجلات وعلى الأرفف والعليات.

أما في الموسيقا فكان مرهفاَ.. عالماً، حفظت منه أسماء المقامات ذواقاً وعارفاً بجملها وبألحانها، وبقرار المقطع وجوابه، لاعب ريشة  جيد على العود..

صباح الخير يا ( مدير) - كلمة صغيرة عن إدارتك... عرفنا منك أن الإبرة لها صوت عندما تسقط على الأرض.. وصوتها له وقت يجب أن نصنعه والموسيقا لها وقت .. اسمعتنا صوت الإبرة ، فعَلا صوت العلم والفن وأزغفت الصفوف  شعراء ومطربين وأطباء ومهندسين ومعلمين.

كان المشاغبون يخافونك  وأنا كنت أرى قلبك الأبيض ككأسك.. كنت فناناً بخلق البياض من مجموع الألوان.

أذكرك وأنت بالأسف والحرقة تلعن زمناً رأيتَ  به مذيعة جميلة بإطلالتها وبأنوثتها، لسانها يقبّح حروف اللغة لتأتي مكسورة من شفتيها والى أذنيك، تدخل بيوتنا وتدخل آذان أطفالنا لتشوه المعرفة والسمع.

ملِكتَ الكثير الكثير من الصلابة والليونة والعنفوان، ولكن عندما ملكت بيتاً دُهمت وبقسوة بأخطائك القليلة وبدون هوادة، وأولها (امتلاك بيت..).

 الآن بعدما ودعتُ مراهقتي وسعيتُ كثيراً لامتلاك بيت، عرفتُ خطيئة الذي يمتلك بيتاً في وطنه... فثقافة امتلاك البيوت هي السفر خارج الوطن.

كنتَ حنوناً على طلابك وعلى بيتك وعلى سياج جارك وما وراء السياج..

تسقي زهراتنا قبل ورودك.

مصرّاً على أن لا يرتفع السياج.

لن أحظى بجلسة كجلساتك... حتى مع أي كتاب جميل فكنت عندما تشرح كتابا أو بيت شعر يغدوان أجمل...

رحلتَ يا أستاذي ويا جاري صاحياً.. لتفاجئنا الصحوة  متأخرة.

صحيح أن الكبار يرحلون باكراً وفي غفلة عن أحبائهم.. كنت أراك  كبيراً ومقبل على الدنيا تحبّبني بكل شيء فيها، ولم أشعر بعذاباتك من الداخل.

اعذرني يا أستاذي لأنك كنت تبعدني بروحك الظريفة عن مشاهدتها.. ربما كانت إحدى الخصال التي أحببتها فيك من دون أن أدري.

كان زمانك زمن خوف الطالب من أستاذه، لكنك كنت صديقاً... كنا نفرح عندما نراك ونجالسك ونترقب خطواتك الواثقة، ورجليك التي تزرعها في الأرض لتهتزّ تحتها، حاولنا أن نقلّدك في كل شيء، لكن مواهب الله لا تكتسب من الأشخاص ولا تُقلَّد.

أستاذي وصديقي وجاري رحمك الله، وعلى طريقة ( كاسك يا وطن).

أخبرك  بأن اللغة التي حفر أمثالك بها وجداناً جميلاً في وجداننا وشعراً، بدأنا منذ رحيلك نترّحم عليها، وهي الآن في نهاية احتضارها...

لجبروتها طال يومها الأخير.. متعلقة بالبعض منّا، ولكن أيضاً أنتم الذين علمونا  لغة..

(فهل هناك من معلّمين... أو حتى متعطّشين)

10 ك2 – 2007

Marmarita01.jpg