القمر بضوّي عَ الناس .. والناس بيتقاتلو

حبيب حبيب قرأها 112
 

القمر بضوّي عَ الناس .. والناس بيتقاتلو

حبيب حبيب



ذات مرة كان خلق.. كانت روحي تبكي بين يدي أبوين حنونين كان همّهما إسكات حزنٍ.. ظنوا بأنّه صغرَ.. ولكن بفطامي عن ذاك الغذاء الذي لم يعوضه لي أحد كان سعيي إليه في مسيرة بحث كانت ولا تزال.

فطمت بحجة الاتكال على ذاتي الطفولية.

أول أقسى قرارعلى طفل لتقسية طفولته وقتلها بالتدرّب على كل شيء، لأن ذاك الحضن والغذاء لن يدوم.

مسيرة زحف وزحف على الأرض وعلى ترابها، وأحيانا أخطىء بالتقدير فأرى نفسي متوهماً بأنني هرولت ووقفت على رجليَّ،  وكان اللهاث والألم.

وإلى اليوم أزحف لاهثاً ولا أهرول ولا أقف، أبحث عن المفقود أو الموعود، فكانت خيبة من الفقدان والضياع وعدم العثور على دفء كان نصيبي منه أنني ذقته وعشت عذاباً وحسرة لتعويضه.

قالوا ونظرهم وبصيرتهم خدعتهم:

اشتدّ العود، اذهب وابحث ببصرك وبصيرتك.. كن طموحاً لا تيأس. واجه الدنيا فأنت شمشون أقوى من العواصف فواجهها.

أول اكتشاف بصيرة، أن هذين الأبوين البسيطين هما أيضاً يبحثان عن مذاق مفقود.. يبحثان عن المعرفة  القوة، ويحفزّان عليها بكلّ الوهم.

تحضرني صورة دائماً أتمنى أن أصل يوماً إلى نقطة منظورها لأوّثقها حقيقة لبشر أرقى آتين، خلاصة تجربة حياة ووجود...

منظر هذه المخلوقات البشرية وغير البشرية من أقرب نقطة للأرض، لأرى الناس تتشابك ببعضها مع كل شيء حي ومتحرك حتى مع الجامد المسكين، يبحثون عن طريقة لإفناء بعضهم، طريقة أخرى لتخريب لوحة الطبيعة ذاك يده بجيب ذاك وهؤلاء يعتدون على حدود هؤلاء ودخان بارود نوبل دائم يصل إلى النقطة التي أنا فيها، ليخرَب زرقة صباحه وعتمة ليلهم ويوصل رسالة الإنسان لي بأنك لن تفلت، أناس تتمرجح في حدائقهم المصطنعة وأضوائهم الخادعة مع مجموعة مفاهيم من انتماءات إلى مكان وزمان، وأفكار تميّز الإنسان عن أخيه بلونه... كل هذا خلسة في عتمة يبدد قسم منها ضوء قمر فضي، وتمظهر بالوضوح تحت ضوء شمس النهار تمرّدت على خطوط حمر ونظام عيش جاهز لأنطلق به بقوانين وضعها إنسان ويشرف على تنفيذها الإنسان متسلّحا بإرادة الله وتفسير الإنسان، كنت قد أطعته.. بدأت رحلة مع القراءة في كتب الحياة فكانت الكلمة.. دواء وداء جذباني بافتتان، وكانا شغلاً ومشغلة بمرّهِما وحلوهما.

حكمة من هنا، قصة من كتاب.. بيت شعر على ناصية.

كان انقطاع عن الكلمة ومن ثم العودة يتكرّران على إيقاع ماديات تحكم الأرض وما عليها وتصفع المعرفة بسخرية المال وقوته، وأسلوب حياة بديل.

كانت الكلمة أقوى وسيلة أتابع فيها الطريق للبحث عن الغذاء لتحصين نفسي واشتداد عودي
واقع تذوق فيه المرّ فنوناً كل يوم..

 مفصوم.. بدعوتك منذ الصغر للمعرفة وفي الكبر يدينك بها، وإذا أرادها منك فلتكن كما يشتهي، ليقتل كل تغيير وإبداع.

في قلب زحمة مصطنعة تتلامس فيها الهيصات الفارغة حتى من الفرح ويخيّم عليها اللهو والانحدار بكل المضامين والتعالي بالمظهر الكذّاب، وفي بقعة تُرّوض فيها النفوس على الاستهلاك، ثقافة بديلة عن البحث والمعرفة.

كان العائد العاشق للكتاب يفرده في قلب هذه الزحمة وسيلة لتضميد تلك الجراح. فكان زاداً أعاد اتصالي وتواصلي مع القراءة وأضاف لمؤونتي المتواضعة تواضعاً آخر من الكلمات. بعد أن توهّمت كثيراً بأن من يشتري كتاباً عليه أن يقرأه مباشرة..

كان التوق دائماً لصديق يشغله الكتاب فكان مفقوداً قبل الكتاب.

كان الحلم أن أتخاطب مع فتاة ،لا تخاطب الدنيا بجمالها وأزياءها فقط وبإصرارها على ضعفها..

فتاة تخرج من ثوب أنوثتها التقليدي إلى أنوثتها.. فتخطّ كلمة كالسيف في فضاء هذا الذكر ومملكته الموروثة في التسلّط على الضعف، وجبنه من أن يكون رجلاً.. عندها ينتفي سبب غريزته بالتسلط وينتفي وجوده الخاطئ في المكان الجميل واحتلاله لقلب أنثى بصوت مرتفع ووحشية عضلات، وعقلٍ كلُّ شيء فيه إلاّ العقل..

توقٌ غريب في واقع أغرب، أصبح فيه الكتاب دليل على تهمتك، وواقع استقال عن الواقع. منطقه ليس من يكتب متهمّا، وإنما أيضاً من يقرأ فهو وقته ضائع مهدور بلا طعم ، يمارس الجنون على العقلاء الذين يستحضرون فلسفة الدولار والقوة الفانية، مقنعين ومقتنعين بأنها أقوى من الكتاب والكلمة وهي سبب ومحور الوجود.

كنت مهزوماً يوم ربطني زميل فجأة برابط الجمال (جماليا) بدعوتي إليه.. فتحت بابه وكدت أن أقع على بابه بخطيئة التظلّم والتسرع في الإغلاق.

في الظاهر الذي يبدو أنني تأثرت به وكنت ممثلا لبيئته. ليس جميلاً هذا الـ"جماليا" ولا متبرّجاً بزينة كذّابة..

لولا عادتي السيئة وتعوّدي  على الولوج إلى المضمون لكنت قد وقعت بخطيئة لا تغتفر. شدّني المضمون بسحره وخلّصني من عقدة جمال الأغلفة وألوانها وأبقاني في بيته، وأقمت مع عائلة قلَّ وجودها.

فكان ذلك الصديق الرجل وتلك الفتاة الأنثى.

 شاعراً وشاعرة، كاتباً وكاتبة، حكمة ومثل، وفاءً وصدقاً، فرحاً على لقاء الكلمة على تحليق الفراشات على بياض القلوب ونقائها على إضاءة الكلمة بالشموع ، وكان حزناً وغصّة وبكاء على الوداع على  (الرحيل)، على احتراق الفراشات، على إطفاء الشموع، عذاب وجمال كان الغذاء.

وكانت الزهرة. لتضيء شمعة ثالثة من الجمال، وكان جماليا وعائلته.