الذكرى الخمسون لمهرجانات بعلبك تحييها الأوركسترا السمفونية الوطنية
ميّ منسَّى
خمسون سنة من ذاكرة لبنان الثقافية والتراثية، اختصرت حنيننا إليها الأوركسترا السمفونية الوطنية بقيادة وليد غلمية، في احتفال موسيقي جمع في قصر الاونيسكو عباقرة الموسيقى الذين استوحوا موسيقاهم من الأرض، من قدر الانسان، من بطولات شعب وهزيمته، من الحياة والموت، والحصة الأكبر لبيتهوفن الذي طالما حمل موسيقاه كطلْسمٍ، كمشعلٍ مجَّد به التاريخ وبه حاور الوجود والله.
في قصر الموسيقى كان المشهد البعلبكي لتلك السنوات التي شهدتْ لِعزِّ لبنان وازدهاره أولاً في موسيقى "شهادة القديس سيباستيان" التي اعتدنا سماع هتافها الرهيب ثلاث مرات قبيل بدء المهرجان، ثم في فيلم وثائقي لفيليب عرقتنجي، الذي جمع في دقائق لمحات من الليالي اللبنانية، وموريس بيجار، وجان كوكتو، والراقصين العالميين وأم كلثوم وكركلاّ و... بين لقطة وأخرى، الحرب والحرائق والهروب من الموت ويعود صوت فيروز يغني "بعلبك أنا شمعة على دراجك" يبلسم جراح الذاكرة.
ثم استعدَّت الأبواق والكمانات لتحيي هذه الذكرى بمختارات سمفونية تلاقتْ نصوصها العميقة، أنيسةً بشاعريَّتها، منبِّهة، تخرق في الوجدان ولا تزلق بين الأصابع كالرِّمال الناعمة. الأوركسترا بكامل عازفيها كانت جاهزة تحت عصا القائد للاعتلاء بمعاني المقطوعات المختارة إلى قمَّة الرجاء، ما يشبه التحدِّي للصِّعاب. وكأن في كلِّ مؤلَّف هي حياته يطرحها أمامنا ارتعاشاتٍ نغميةٍ، ثورية، شاعرية، أنيسة، نستشفُّ من كل حركة معنى ووصية تعلمناها من بيتهوفن حين قال: "مَن يسعه فهم موسيقاي لا بد مِن أن ينجو من مصائب الدنيا".
في أوبرا إيغمونت تلك التي استوحاها بيتهوفن من مسرحية غوتييه ارتفعت الموسيقى، منسابةً برهبتها، بدراميَّتها من عمق الوجود، تلطِّفها الأبواق الناعمة، لتعود بغزارة هادئة الى المناخ المغبَّش الذي يكتنف موسيقى بيتهوفن قبل أن يصل بنغمةٍ إلى النور.
واذا كان محور موسيقى هذه الليلة الأرض والحرية والانبعاث، فان القائمة جعلتْ لبيتهوفن القول الأقوى، فكانت افتتاحية "كوريولان"، هذا الجنرال الروماني الذي عٌرف ببطولاته. والبطل مرصود له أن يموت، والموسيقى المواكبة لمآثر هذا الرجل، تنخفض إلى قطرات بطيئة في نهاية الحركة حتى الانطفاء... حتى الموت. ومن بيتهوفن أيضا الحركة الأولى للسمفونية التاسعة المبنية على قصيدة شيلر "نشيد الفرح"، وفي كل عبارة من الأوتار الجهيرة الحادة، في الأبواق الغنائية والحارة، كان بيتهوفن يبدو لنا أكثر من فنان يهدي حياته الى فنه، بل نبيٌّ تنجلي في مؤلَّفاته حقيقة الوجود.
"فنلنديا" هي القصيدة الموسيقية التي أهداها سيبيليوس إلى أرضه الأم، نشيد أرض غنَّاه في هذا الشمال وطبيعته البكر. لقد أعاد سيبيليوس في عمله هذا إلى السمفونية شكلها البهي بعد بيتهوفن وبروكنز. من الإيقاع والميلوديا والتوزيع، تفوَّقت الأوركسترا في لعبة البنيان، في اللون الفنلندي المحدَّدة تنويساتُه بخفَّة الملمس أو قساوته.
ومن هذا الشمال إلى الشرق مع الحركة الثالثة لسمفونية وليد غلمية "الشَّهيد"، وقد عزفت الأوركسترا مفهوم الموت في هذه الحركة التي حملتْ عنوان "الحرية". ابن الشرق حاك مشرقيَّته من بنيانٍ سمفونيٍّ وقوانينه. كنا نتلقى النغم الصخري، الجامد، والنبرات الحنونة في مشهدية تتغير تلاوينها في تصادمات بين الحنان والقسوة، والمُحاور الأكبر الأبواق تطلق نوافيرها، فتتسلَّمها الآلات الوترية وتطلقها بما يشبه الرِّثاء أحياناً والفرح المحيي أحياناً كثيرة.
أما سمفونية تشايكوفسكي "1812"، فتعيد إلى البال تاريخاً وحروباً وانتصار روسيا على نابوليون. خطابٌ نغميٌّ، سلسٌ، يعلو فيه النَّشيد المحموم إلى الوطن.
من مقطوعة إلى أخرى، كانت الأوركسترا تقوم بدورة نغم حول كوكب الأرض من شماله إلى جنوبه، ومن روسيا إلى ألمانيا، لتعود إلى انطلاقتها واعدةً الجمهور اللبناني بموسمٍ موسيقيٍّ زاخر.