الوجه الضائع

عيسى القنصل قرأها 7
  

الوجه الضائع

قصّة

عيسى القنصل

ضجيجُ الناسِ في الشوارع، أصوات أبواق السيارات المزعجة، الأقدام المتراكضة من حوله فى جنون، وألف ألف وجه يمر أمام عينيه فلا يحسُّ بشىء..

ساحة الجامع الحسيني... نافورةٌ ميتةٌ بلا ماء... هذه النافورة تثيرني الى درجة الجنون لماذا لا تتدفق بالماءِ؟ ميتةٌ على الدوام؟. يتجاوزها في نزقٍ وحقد. هى وحدها التي تلفت انتباهه كلما مرّ فى هذا الشارع. لا بد من الوصول الى البنك ليودع بعض النقود... الناسُ فى البنك كلهم صامتونُ يراقبونُ النقود المتبادلة... خيّل اليه انهم كتل

من الاموال تتحرك أمامه، ثمة طاولة صغيرة في وسط مدخل البنك ذكّرتهُ في إصرار غريب بنافورة الجامع الحسينى... فكًّر فيها كثيرا جداً: كم أتمنى ان أرا كِ متدفقة أيتها النافورة؟؟ ميتةٌ وأمام الجامع؟ وقذرةٌ على الدوام ؟؟ أواه لو تتاح لي فرصةٌ واحدةٌ لأغسلك وأدفقَ فيك المياه...

صوتُموظف البنكِ يعيده الى صوابهِ (نعم فى حساب المعلم سامي).. عاد الى موخرة الطابور مرة أخرى لانتظار الوصل.. عادت لذهنه صورٌ عديدة لأفلام عن سرقة البنوك، كيف حفروا خندقاً بالشارع للوصول الى مكان الخزنة وتمت السرقة. هل يستطيع أحد هنا سرقة البنوك؟؟ ثم عاد الى صوابه على صوت موظف البنك ينادي باسمه... اخذ وصل الوديعة وخرج الى الشارع...

وجهُ المعلم (سامي) يحرمهُ حتى الابتسامة مع نفسه. (أوضعت النقود يا صبري) ..

يناوله الوصل فى صمت كامل. أواه كم يطيب لى ان اخنقك.. حتى ولا شكراً.. ومع ذلك يبقى صبري بلا دمعة او تنهيده... فمن المخجل ان نبيع أحزاننا للناس مقابل نظرات شفقة أو إحسان. لم يكن صبري من ذلك الصنف الحقود.. ولم يكن يبتسم ابتسامة الواثقِ من قدوم غده.. فكرهُ يقوده دائما للوراء مقارنا بين حاضره وماضيه عندما كان طالباً فى إحدى مدارس بيت لحم. كان ترتيبه الأول دائماً.. خياله يرسم له صورة لغده (دكتور صبري) اختصاص نساء.. لا بد أن سناء ستزورنى ذات يوم. ويبتسم لنفسه أذ يرى اسمه مشعاً بحروفٍ كهربائية.. ويفيقُ من حلمهِ وخياله على صوت معلمه ((أسرع يا صبرى اغسل سدر الكنافة.. واغسل بقية الصحون..... ثم امسح المطبخ)).. تكاثفت الأوامر فى راسه, وفي قلبه سحابة داكنة من الالم.. مــــن الرغبةِ فى الاحتراق والاختفاء عن عيون الجميع... وتكاثفت الدموع فى قلبه تشعره بأهمية الهواء، ولكن لماذا اليأس هذا عملي الموقت.. أجمع النقود.. وارتضى النوم على أرضية المطبخ.. هذا من أجل جمع النقود للغد، ليس أمامي سوى العمل لاصبـح نافورة متدفقةٍ.. (لو يقول لى معلمي اين الصنبور لأفتح الماء على هذه النافورة الميته.. لكن معلمى صعب وقاسٍ.. وقل ان يبتسم...

أسرع الى المطبخ.. مدّد سدر الكنافه الفارغ فوق المجلى.. وأسرعت أنامله في سكب الماء الساخن فوقه.. خيّل اليه أن سناء أمامه مرة اخرى تنام على طاولة الفحص في عيادته ويداه تتلمسان أماكن الألم.. (هنا.. لا يادكتور صبرى هنا) وعادت به أفكاره فى جنون للوراء...

كان طالباً ذكيّا فى إحدى مدارس بيت لحم الثانويه... بيت لحم كانت مدينته... لم يكن

أبداً سياسياً. فلا هو أحبَ حرباً ولا نجح يوماً فى مادة التاريخ عن فهم وقناعة، مجـــرد حفظ أرقام جرداء فارغة من الحياة.. كان فكرهُ دائماً مرتبطاً بأهله.. "أريد ان أدرس وأكمل تحصيلي الجامعي.. لا بد أن أصير طبيباً".

كان يعيش في بيت متواضع مع أهله في ضواحى بيت لحم قرب مخيّم (الدهيشه) يرى أمامه المخيم.. ولم يعرف او يفهم لماذا تكوّن هذا المخيّم.

أحب سناء.. أواه أنه يتذكرها الآن في أكمل صورة كأنها أمامه.. وجه أسمر ناعم عيون عسليّة صافيةُ.. كانت طالبةً في إحدى المدارس الثانوية... يراها كل يوم وهو واقف ينتظر السرفيس ليوصله الى (ساحة المهد).. ولعله جلس معها أكثر من مرةٍ.... وألتقت عيونهما لأكثر من مرة.. لعله التقاء عفوي.. لكنّه كان يحفر في أعماقه بلا رحمة صورة لها... ولعله أوصلها الى ساحة المهد.. وكم مرة انعطف خلفها فى شارع (رأس افطيس) يراقبها وهى تنزل درجات مدرستها (مدرسة راهبات مار يوسف....) يوصلها دون ان يدعها تشعر به.. وان كان يحسّ فى قرارة نفسه انها قد تلاحظ كثرة تواجده على دربها اليومي.. ولكم حدجته بنظراتها ((وماذا تريد منّي)) الى ان كان يوم شاهدها فيه مع قريبة له... أسرعت اليه قريبته.. ورفتهّ عليها (( سناء زميلتي في المدرسه.. ولأول مرة لمس يديها وكأنه لمح فى عينيها ظل ابتسامة خافتة وأجنحة لسؤال (ماذا أأنت مرة أخرى.. ماذا تريد منّي)  سارا في الشارع سوية عرفتْ عنه الكثير.. وعرف عنها الأكثر.

ولا يدرى بعد ذلك.. لقد أخذ ينتظرها كلَ صباح لا ليصعد معها بالسرفيس صامتا.. بـل ليتكلم معها عن الكثير من المواضيع.. عن المدرسه ونشاطاتها.. وعن أهلها وأهله. وقليلاً قليلاً إذ بالعلاقة تتعدًى حدود الزمالة والصداقة البسيطه.. فاذا به ينتظرها لحاجة أكثر من ذلك.. إحساسه بالانتظار يتنامى.. وإحساسه بغيابها يدعوهُ المكثف عنها.. لقد أحبها.

وسناء شعرت به كأنه شخص غير غريب عنها.. إنه شيء وحاجة ضرورية لا تجدها في البيت او مجالس اخوتها وصديقاتها شيء ضروري يجب ان تراه صبيحة كل يوم قبل الذهاب والاختلاط بالطالبات، انها تشعر بشيء غريب، دفء غريب، كأن قلبها يتدفق بألف أغنية كلما تراه وتسمع صوته.... لقد أحبته.

ذات يوم أقامت مدرستها حفلة بازار خيريه فى مدرسة (الفرير).. وكانت سناء إحدى

الطالبات العاملات فى الحفلة... كانت تقف أمام إحدى الألعاب بجانب نافورة ماء متدفقة حين رأته أحست انها أمام إنسان يختلف تاماً عن كل المدعوين.. اندفعت نحوه

بحرارة.. واندفع اليها كأنه عاشق كان مرتحلاً لاعوام عن غاليته... أواه انه يتذكر الان جيداً كيف نامت يداها بين يدّيه فى نعومة واستسلام وكيف التقت العيونُ بحرارة وصمت.

-       ((سناء لقد جئت ُ الحفلة من أجلك ))

-       (( لكم انا سعيدة..انك جئت يا صبرى...أنا من أرسل الدعوة لك.))

 جلسا على حوض النافورة الصغيرة المتدفقة..

-       (( ان قلبى متدفق فى هواك مثل هذا التدفق... انني احب ياسناء)).

وابتسمت فى صمت.. وتركت يدها فى كفيهِ لتعطيه الجواب.

أصبح موقف السرفيس موعداً غراميّاً كل يوم.. وأصبح حبهما مجال حديث الطالبات..

كان صبري يشعرُ بالفارق الشاسع بينهما.. الفقر.. والغنى.. لكنّه حلمه بغدهِ معها كان كبيراً بحجم الحب.. وتنامى الحلم. كم طابت لهما الجلسات في ظل نافورة المدرسة الى ان كانت فاجعة ذلك اليوم..

كان الاربعاء... وقف بدهشةِ يراقبُ أرتال الدبابات.. وسيارات الجيش الاسرائيلي تدخل بيت لحم... أصوات الرشاشات المجنونة تأكل حجارة  المباني.. أنه لا يفهم الحرب.. لا يحب السياسة.. لماذا؟؟ لماذا؟؟؟

دوّى أنفجارٌ قريب منه.. تلاه آخر.. وآخــر.. آه انها الصورةُ التى لا تفارقه.. كان بيته يحترق.. جثة والده ملقاة وصراخُ أمه يكبر.. يتعالى..

أحس صبري بدمعة تحرق خدّه وسدر الكنافة لا يزال بين يديه.. مسحها بكمهه

وأسرع يتابع عمله.. نعم انه يعرفُ ماذا حدث بعد ذلك..

هرب مع جميع الهاربين.. وضاع عنه وجه سناء فى لهيب الاحتلال.. لم يعد ير أحداً او يسمع أخبار أحد.. إحساسه بالحياة ينقطع  لولا الألم والحزن لأحس أنه ميت.

هام ضائعاً فى شوارع (عمان) أجفلته النافورة الموجودة امام الحسيني كثيراً.. جلس اليها كثيراً.. لم يشاهدها ابداً تتدفق بالماء ((آه يا نافورة الأمس.. كنتِ دائما غنيةً بالعطاء...)) كان يحس دائماً انه مستعد ان يدفع كل حياته من اجل ان يراها متدفقةً...

عمل صبري في مطعم للحلويات.. يريد بعض النقود من اجل غده.. وبأيّ أجر كان.. لا بأس ما دام بإمكانه أن ينام ويأكل في المطعم.

لم يكن قد انتهى من عمله بعد حين سمع صوت معلمه يقول له: ((خذ صحنين من الكنافة الى قسم العائلات)) ولم يدر ساعتها لماذا تراكم الضيق فوق صدره.. لماذا شعر بكل حزن الهزيمةِ ياتى اليه.. لماذا جاء الخوف اليه مرعباً.. مزعجاً.

مسح بقايا الماء عن يديّه وانتزع المريلةَ الخضراء وتناول صحنّي الكنافة وصعد بهما الى قسم العائلات في بطء وحزن...

كان وجه الشاب متجهاً اليه ووجه الفتاة الى الشارع.. خيّل اليه أول وهلة أنه رأى خصلات الشعر هذه من قبل.. ورأى مثل انتصاب هذه القامة.. تقدم ببطء سمع ضحكتها الناعمة... ((لماذا كل الحزن يداهمنى.. اشعر كأن عاصفةً من الخوف تبتلعني... لقد سمع هذه الضحكة من قبل... أيمكن؟ ايمكن؟؟)).

أنحنى ليضع الصمون على الطاولة.. والتقت عيناه بعينها ((يا ألهى سناء) لم يتمالك نفسه.. سقطت الصحون من يديه.. ورأى الذهول والدهشة أمامه.. شوارع بيت لحم الحب.. نافورة الحب.. الدبابات.. الخوف والهزيمة.. واحلامه الميتة.. وهذه هي سناء مع رجل آخر.. أسرع الى الهرب.. كان صوتها عالياً مرتعشاً وهى تنادى (صبرى..صبرى).. لكنّه كان أسرع من صوتها.. ومن ذهول معلمه.. ونظراته الحيرى... اسرع راكضاً في الشوارع.. يريد ان يختفي.. ان يهرب الى مكان مظلم بعيدٍ عن عيون الجميع.

كان يركض في الشوارع كأنه مطارد من الشرطة.. يركض في وجع وانهيار داخلي

عنيف ونزيف رجولي هائل.. وفجأة وجد نفسه فى ساحة الجامع الحسينّي وامام تلك

النافورة الميته.. ركض نحوها.. أذهله وجود مجموعة من العمال ينتزعون بلاطها الرخامي تحطمّه.. ماذا تفعلون ايها المجانين؟! ارتمى فى إعياء أمامهم... (( كنتُ أتوقعُ كل شيء إلا ان تموت هذه النافورة الى الأبد...)).

وحين طارده الخوف مرة أخرى كانت سناء تقفُ فوق رأسه شاحبة الوجه.. باكيةَ العينين قائلة ((لآنني وجدتك.. يا وجهي الضائع تهربُ منّي.. انني أبحثُ عنك منذ زمنٍ انا واخى.. انا لم انس أبداً وجهك أحبك يا صبري.. يا وجهي الضائع)).

لم يقل كلمةًًً واحدةً.. دفن وجهه المتعب فى صدرها.. تنهد بألم وقال بصوتٍ خافت: ((حين أحببتك.. وصارحتك بالحب.. كانت نافورةٌ ما تتدفقُ، ولكن هنا حتى نافورة الجامع ميتة...)).

وضعت رأسه المتعب على صدرها.. بكت بصمت.. وأجفلها صوت أحد العمال يصرخ بهما قائلاً: ((انهضا.. نريد ان نكمل انتزاع هذه الحجيرات من وسط الساحة.  وانغرست المعاول فى جثة النافورة.. بينما كانت سناء تبكي على صدر صبري مرةً.. وعلى صدر أخيها الصامت مرة أخرى.