الفنانة التشكيلة السورية إقبال قارصلي تُعد بحق رائدة من روّاد الفن التشكيلي السوري، وإحدى علاماته المميزة، وموهبة نسائية غير مسبوقة في زمانها، وواحدة من القليلات اللواتي رسمن الوطن بجميع تجلياته الجامعة لجماليات الطبيعية والإنسان. تزخر لوحاتها الزيتية اللونية والخطيّة برتابة الوصف وتعبيرية المواقف الشكلية، المعطرة بأنفاس الأرض الطيبة والعمال والفلاحين، والعامرة بالمآثر التاريخية وشخوص الكادحين والمقاومين. ترسم حقولها الشكلية في تقشف وصفي وشفافية لونية، تعرف طريقها التقني المرصوف فوق سطوح اللوحة في لمسات تعبيرية واقعية، مُعشبة بملامح انطباعية في كثير من الأحوال، تفسح المجال لرقص العناصر والمفردات التشكيلية والشخوص في عزف نشيد الحياة وفطرتها، في حوارية الذاكرة والأمكنة والمواقف.
الفنانة (قارصلي) من مواليد مدينة دمشق عام 1925، عاشت طفولة متنقلة مرتهنة بمهنة والدها المعلم. تزوجت في سن مُبكرة عام 1940، وانتقلت مع زوجها الموظف الحكومي للإقامة في مدينة تدمر ما بين 1940 و 1951، وقد كان لهذه الفترة الزمنية تأثير واضح في ثقافتها البصرية والمعرفية والحياتية ملتزمة بهموم الطبقة الكادحة. مما دفعها لدراسة الفن بالمراسلة في معهد الجواهري بمدينة القاهرة بمصر ما بين 1956 و 1958. شاركت في جميع المعارض الجماعية المحلية والعربية والدولية المتاحة ما بين 1954 و 1969. أقامت أربعة معارض فردية: الأول في صالة الفن الحديث بدمشق عام 1964، والثاني في صالة المركز الثقافي العربي بدمشق عام 1966، والثالث في مدينة روستوك الألمانية عام 1968، والرابع في مدينة الطبقة شمال سورية عام 1969. وافتها المنية متأثرة بتسمم مزمن بسبب مادة الرصاص كمكون أساسي في ملوناتها الزيتية في الحادي عشر من أيار عام 1969 .
لوحاتها غابة مفتوحة على جماليات الوطن السوري، بأرضه وتربته وأسواقه ومزاراته وأوابده الشامخة والنابضة بالحياة، ترسم من خلالها تفاصيل أمكنة وشخوص في محاورة بصرية من نوع بسيط، غير متكلفة في خطوطها وملوناتها. مفطورة على المقاربة الشكلية الخارجية للمشهد البصري المرسوم. لا تدخل في كثير من لوحاتها إلى دواخل الشخوص، وغير معنية بالاتجاهات المدرسية الكلاسيكية. بل تجوب متعتها الجمالية عِبر الاتجاهات التعبيرية المُعشبة بلمسات انطباعية من ريشتها العريضة، المتداعية فوق سطوح الخامات في متواليات لونية متجانسة الحدة، حرارة وبرودة. تستلهم فطريتها ومرحها الطفولي في لحظة رغبة في الرسم والتصوير، وتستعير ملامح من بيئتها الجغرافية المُحيطة، وبقيت أمينة لطبقات الشعب الكادحة من عمال وفلاحين وطلبة ومقاومين.
مدينة دمشق القديمة حاضرة في وجدانها، ولها فيها عشرات اللوحات، ترسم من خلالها معالم وطن ومواطنين. وجماليات مفتوحة على صدقية الوصف والتعبير، وفطرية التأليف والتشكيل. تجوب مدارات الزمن العتيق استعارة شكلية لأوابد هنا ومآثر هناك، تدخل أسواق المدينة مكحلة عين اللوحة بمقامات بصرية، متناسلة من سوق الحميدية في تجليات الوصف والمحاورة الشكلية مع حركة الناس والمعروضات، تستذكر لوحاتها نهر بردى في فروعه العديدة وحركة انسيابها المرن في غوطتي دمشق الغربية والشرقية، وتستقوي بحركة الفلاحين المسافرين ذهاباً وإياباً على طريق المدينة. ومشغولة بمواسم الحصاد الجميل، وأنفاس البيادر الذهبية المُعانقة لأشعة الشمس في يوم حزيراني مهيب، وأُخرى حاضنة لأزهار دمشقية قُطفت للتو من بستان الحياة لتسكن أسوار مزهرية عبقة بما تبقى فيها من حياة.
لوحاتها مربوطة بخيط تقني ووحدة عضوية واحدة، تفتح ذراعيها لنسيج مقاماتها البصرية المتآلفة شكلاً ومضموناً في لحمة شكلية متشابهة، من حيث توزيع عناصرها ومُفرداتها التشكيلية، المتداعية في واحة بوحها الفني والجمالي وطريقة رصفها كمتواليات داخل بنيتها الشكلية. ألوانها متناسلة من ملونات البيئة السورية حدة ورتابة، ومن دائرة الألوان الأساسية (الأحمر، الأصفر، الأزرق) وتدريجاتها الاشتقاقية كسوة ومُعانقة. تفتح المجال لسطوة لون مشتق تـارة، وأساسي تارة، وخلاط لوني جامع في كثير من اللوحات، وتغدو تقسيمات اللوحات لديها مشدودة لطريقة رصف متشابه أيضاً.
متواترة في ثلاثة أبعاد منظورة، السلاسل الجبلية والسماء في الربع العلوي من اللوحة، يقابلها مكونات الأرض وما عليها من عناصر شكلية متممة في أسفل اللوحة، ويحفل الوسط بجواهر الفكرة واللمسة التعبيرية المنشودة والحاضنة لعناصرها الرئيسة، كتلاً شكلية مزهوة بألوانها المُفرحة، والمتناسقة في امتدادها العفوي وشفافيتها المنثورة فوق متن قصائدها البصرية الحافلة بإنسانية الإنسان، ومدى ارتباط الفنانة العضوي مع جماليات وطنها، ومصداقية وصفها الشكلي ومقولاتها الفنية.