دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (16): الفنانة سوسن جلال في حاضرة الفن الصادق

عبدالله أبو راشد قرأها 6
  

دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (16):

الفنانة سوسن جلال في حاضرة الفنالصادق

عبدالله أبو راشد

الفنانة التشكيلية السورية سوسن جلال، هي سليلة أسرة فنية تشكيلية، حفرت بصماتها الأولى منذ نعومة أظفارها في ظل والديها وأخيها. وكانت كالنقش المُبكر على حجر الموهبة المتوالدة من رحم القول الفني المتاح، لتصقلها خبرات الأهل والأصدقاء والدراسة الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، مُتخرجة في قسم العمارة الداخلية عام 1977، لتحتل مكانة مميزة في عالم الفن والديكور، والتربية لاحقاً. اتخذت من والدها الفنان الكبير محمود جلال قدوة حسنة، وشكلت بذاتها الفنية المستقلة معالم لون فني جديد، فغردت في فضاء الحرية التقنية والتعبيرية المتاحة. بقيت مُلتزمة بخط الواقعية التعبيرية في الفن كاتجاه أساسي في نسج بنية لوحاتها الفنية والتقنية، مُحافظة بشكل ما أو بآخر على مضامين لوحاتها الموضوعية، الملتصق دائماً بمدينة دمشق القديمة بكلّ زخرفها وجماليات بيانها البصري. كواحة مفتوحة على المُقاربة الوصفية ما بين المنظور الواقعي، والمحسوس المُتخيل التعبيري وطريقتها التقنية في رسم وتصوير مناظرها، وأسلوبيتها  المتسعة لغناء اللون وحرية انسيابه بشفافية ملحوظة فوق سطوح الخامات المستعملة. إنها تبني جسور أحاسيس مفعمة بالمودة للأشياء التي رسمتها  مراعية تجانس لحمتها الإيقاعية. هي مُغرمة على الدوام ومشغولة في تصوير الورد الدمشقي بجميع أصنافه وأنواعه ومُسمياته وأشكاله، وبحركية خطيّة وشكلية جامعة لرقص المكونات.

 دمشق القديمة الرمز والحكاية الوجودية، هي مجالها الحيوي وحاضنة حقيقية لمشيئتها الحرة في اختيار نصوصها الفنية التشكيلية، ومقدرتها الفنية على التقاط مفاتن الجمال الطبيعي، والنقل الحسي المباشر لتفاصل العمائر السورية من أوابد وبيوت متلاصقة وأسواق متلونة بملونات الحياة والحركة الرتيبة، والمتوازنة ما بين مرصوف عناصرها ومفرداتها التشكيلية، الشاملة لجميع ألوان الطيف. إنها تتجاوز في حدتها وشفافيتها حدود ملوناتها المتسعة لدائرة الألوان الرئيسة الأساسية (الأحمر، الأصفر، الأزرق) والألوان المساعدة أو المحايدة ( الأسود، الأبيض) وتدريجاتها الاشتقاقية، المنفلتة من عقال النمطية  الكلاسيكية، لتدخل مساحة الحداثة التعبيرية في الخلفيات الحاشدة بلمسات تعبيرية تجريدية من ريشة رشيقة تعرف طريقها المناسب والمتكامل فوق السطوح. تؤسس من خلال جملها ومفرداتها التشكيلية كمجال بصري مُثير لحساسية المتلقي، ومُعشبة بخصوصية تأليف ووصف، وتميز تعبيري في أسلوبها وتقنياتها عن سائر أقرانها من الفنانين.

اللوحة لديها مُتسعة لجميع التجارب المتصلة بالملونات المائية والزيتية والأكرليك، تشدو مقامات بصرية متواترة شكلاً ولوناً، في لعبة التشكيل المتوازن للعناصر وفكرة الموضوع المطروق، المؤسسة على رؤية فنية رتيبة ككتل متوافقة. الورود الدمشقية لها سطوة في كثير من لوحاتها والشخوص تسبح في فلك إنسانية الإنسان، تُحاكي في بنيتها التشكيلية البيوت الدمشقية الحاضنة لمكونات المجتمع السوري وعمائره، تأخذ بناصية النص البصري المألوف لتداعيات البيوت والمنازل، في أشكاله الخارجية كسطوح معمارية حافلة بإيقاعات شكلية هندسية متوازنة في أوصاف الجدران والأبواب والتوافد، وإبراز تجليات المعايشة الحسيّة والمعنوية المُدركة ما بين الفنان ومدينته. لا تستخدم اللقطة الواقعية الصرفة ولا الملونات الطبيعية للأزقة والجدران والمنازل، بل تسعى لإلباسها أثواباً لونية مُغايرة متآلفة مع ذاتها الفنية وحساسيتها اللونية مع المشهد المرسوم. تستعير مقامات التعبيرية التجريدية والبنية المعمارية الهندسية التي تبسط الأشكال، وتبقي لحركة اللون وتداخلاته وتوزع بقع النور والظل المتناغمة فوق السطوح بشفافية واضحة القسمات، بينما في رسم ورودها الدمشقية تعتمد على حرية التأليف الشكلي لمتواليات الورود المرصوفة جنباً إلى جنب والمُتناغمة بصرياً وشكلياً لخلفيات المناسبة.