دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (18): الفنانة عتاب حريب: حيوية الأنثى ورقص الملونات
دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (18):
الفنانة عتاب حريب: حيوية الأنثىورقص الملونات
عبد الله أبو راشد
مما لا ريب فيه، أن الفنانة التشكيلية السورية عتاب حريب، هي من أكثر الفنانات التشكيليات السوريات ثقافة بصرية وإنتاجاً فنياً، وحضوراً لافتاً في مساحة العروض الفردية والجماعية داخل سورية والوطن العربي وآسيا وأوربا. وتحفل لوحاتها بخصوصية تعبيرية منسجمة مع أنوثتها كامرأة، مرهفة الحسّ ومشمولة بحيوية البحث والتجريب والاشتغال التقني، ومتابعة طقوسها اليومية في رسم عشرات اللوحات. وقد كرّست ذاتها الفنية ومعالم خصوصية تجربتها التصويرية كممثلة طبيعية لبنات جيلها، في لوحات لا تُغادر فيها ملوناتها المائية سطوح الورق وقماش الخامات، وبساطة التأليف والرقص الإيقاعي لفوضى اللون وتنوع المواضيع المطروحة.
هي من مواليد محافظة دير الزور، خريجة كلية الفنون الجميلة عام 1978، وحاصلة على دبلوم التأهيل التربوي من كلية التربية بجامعة دمشق عام 1982. وهي عضو فاعل في اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين، وسبق أن تسلّمت مهام قيادية وفرعية عديدة. تفرغت للعمل الفني التشكيلي والتربوي المتصل بالفنون الجميلة. أقامت عشرات المعارض الفردية، ولها العديد من المشاركات الجماعية داخل المحافظات السورية والبلدان العربية والأوربية والآسيوية، وحصلت على العديد من الجوائز وشهادات التقدير لإنتاجها الفني.
مدينة دمشق محطتها الولود التي فتحت لها دروب الثقافة البصرية والدراسة، وصناعة علاقات صداقة مع الفن والفنانين عموماً والتشكيليين خصوصاً. واحتضنت مواهبها الفنية منذ بدايات دراستها بكلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق. خرجت من بين يديها وبصيرتها لوحاتٌ حافلة بالحرية والتحليق في فضاء الفوضى البصرية المنظمة، تبني جسراً ما بين المخيلة وذاكرة المكان في تعبيرية تجريدية، مشغولة على الدوام بتلك الخطوط المشاكسة واللون المتناثر فوق سطوح اللوحات. لا تُحاكي الأمكنة في واقعيتها المعروفة، بل تتقصد الخروج عن المألوف الواقعي وكسر هيبة الأكاديمية والدراسة المدرسية. تبني عمائرها الشكلية المُستعارة من واحة شكلية خارجة من محترف الأشكال الهندسية المبسطة التي قوامها المربع والمستطيل والدائرة والمثلث والمعين وما بينها من تداخلات شكلية. تؤثر الملونات المائية كصبغة تقنية مُحببة لديها، ودمشق القديمة على وجه التحديد هي الأكثر رواجاً في أعمالها الفنية. تقترب فيها من التيارات العبثية بالفن، وتتداخل في متنها النصوص، وأشبه بخلطة تشكيلية ساهم في إنجازها مجموعة من الأطفال في لحظة فرح عابر. تُغرد كعادتها ما بين الرسوم المائية المتحررة كلياً من الوصفات التقليدية الجاهزة، ليطيب لها المقام البصري في استحضار مسالك الفطرة والعفوية والتلقائية، المُدركة لقدرات الخامة والملونات على التأليف والوصف، والتوليف الشكلي لمواضيع متناسلة من الطبيعة الخلوية والصامتة، وبضعة تجارب جديدة. تؤثر الفنانة فيها الدخول في مساحة البحث والتجريب من خلال استخدامها الوظيفي لخامات البيئة (ورق الجرائد القديمة) في سياق مرصوفات شكلية متوازنة فوق سطوح الخلفيات الزرقاء الداكنة، لترسم عالماً من وحي مُخيلتها، لمناظر مُفعمة بالخيال والإحساس الحركي بالخط واللون والإضافات التقنية. تُدخلك عبر تقنيات فن اللصق الصمغي (الكولاج)، إلى مجاهل ذاكرتها ومُخيلتها المفتوحة على تفاصيل المدينة عبر قصاصات ورقية متناثرة هنا وهناك.
تأخذ البيوت في هندستها المعمارية، شكل الحلم العابر في مُخيلة طفولة مُستعارة من أماكن محلية، في سياق مرصوفات الغرف المتراكمة، كطبقات متجانسة لوناً وحالة تعبيرية والمزينة بورود وأشجار، تاركة حرية الانتشار لطبقات الألوان المائية، لتشكل في نهاية المطاف قصائد لونية متحررة من النسب الذهبية وتغدو في حالة فوضى شكلية مُحببة. وكذلك الحال بالنسبة للطبيعة الصامتة التي تأخذ من أصيص الزهور ميداناً لخطوطها الملونة. لوحات مأخوذة بحرية التعبير والوصف وتلقائية تناغم الألوان المائية السابحة فوق خامات الورق المتنوع. تأخذ من فطرية اللون وانسيابه مُقدمة طبيعية لصياغة عناصر ومفردات شكلية مقصودة بعينها، تُضيف لجماليات التكوين الفطري مساحة من رؤى بصرية مقصودة، ومحمولة بتدخل عقلاني لإتمام عناق الفكرة المستلهمة، من عفوية تقنية وتفكير بصري. تؤكد خصوصية التجربة والتنوع في آليات الاشتغال التقني وتحفظ للفنانة تفردها في عزف مكوناتها الخطية واللونية الراقصة في مسرح التقنيات المتعددة.