دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (15)،الفنان أسعد عرابي في جوقة الفرح البصري

عبدالله أبو راشد قرأها 6
 

دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (15)،

الفنان أسعد عرابي في جوقة الفرح البصري

عبدالله أبو راشد

As'ad%20Arabi.JPG

الحديث عن الفنان التشكيلي أسعد عرابي، يستوجب منا استحضار مدينة دمشق القديمة في جمالياتها الوجودية المتنوعة الأوصاف، لما تحتويه هذه المقاربة من علاقات خاصة تربط الفنان بذاكرة المدينة العريقة، فهو فنان مثقف ومُتميز عن مجموعة أقرانه الدارسين في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. رسم لذاته طريقاً ما زال مُحافظاً عليه، سواء بإنتاجه الفني التشكيلي من ناحية، أم الفكري والنقدي والصحفي من ناحية ثانية، أم ظروف حياته المهنية والأكاديمية من ناحية ثالثة، صبغته بمعايشة وجودية حافلة بالذكريات، وشطرته إلى قسمين: الأول في أحضان مدينة دمشق القديمة، والثاني في مدينة النور الفرنسية باريس، وكمتنقل دائم ما بين عواصم الفكر والفن والجمال العربي والأعجمي، وكمحاضر ومُحكم مشهود له بالبنان.

أخذت مدينة دمشق القديمة من حياته حقبة زمنية وافرة، عاش في كنفها طفولة ومراهقة وشباباً، مليئة بالأمل والطموح، وموئلاً صالحاً لمواهبه الفنية المُبكرة، ومُنطلقاً مُناسباً لدراسته الأكاديمية الأولى في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. مُتخرجاً من قسم التصوير بدرجة امتياز استثنائية عام 1967، مكّنته من العمل مدرساً إلى جانب أساتذته ومدرّسيه في الفترة الممتدة ما بين 1967و 1975، لينتقل منها لمتابعة دراسة العليا بالفنون التشكيلية عِبر المدرسة الوطنية الفرنسية (بوزار باريس)، ومن ثم حصوله على شهادة الدكتوراه في علم الجمال المعاصر، وعلوم الفن من جامعة السوربون عام 1987. له نحو سبعة عشر معرضاً فردياً، وعشرات المعارض الجماعية في عديد من العواصم العربية والأعجمية، وهو مُشارك فعّال في كثير من الندوات البحثية التخصصية بميادين الفنون الجميلة التشكيلية وعلم الجمال، وصدر له مجموعة من الكتب ذات الصلة بالنقد، وحاز على مجموعة من الجوائز.

لوحاته الأولى عن مدينة دمشق القديمة ترتدي حِلة القداسة الشكلية والجمالية، تحمل في ثناياها مفهومي (العروبة والأوربة)، أي الأصالة والمعاصرة، في أثواب تعبيرية جديدة، تحظى بالاحترام والتقدير والمتعة البصرية الفائقة من قِبل جمهور الفن والنقد والتلقي، وقدرتها على استحواذ لحظات الدهشة والمعايرة الجمالية، والمحرضة على التأمل والمعايشة الفنية والجمالية لمضمونها وطريقة اشتغالها الفني والتقني، لما فيها من أوصاف شكلية، حافلة برقص الخطوط والملونات المتآلفة من حدة لونية متواترة حيناً ومتناقضة حيناً، تجعل من هندسة عمارة مدينة دمشق القديمة عالماً واسعاً لفسحة الجمال البصري، المُعانق لملونات دائرة الألوان الرئيسة (الأحمر، الأصفر، الأزرق، الأبيض، الأسود). تفتح سجلها الوصفي لأخذ قسط من المتعة والتنقل ما بين معالم بنيتها الهندسية المفتوحة على اتساع المساحة، والتنويعات اللونية داخل أسوار الخطوط الصريحة.

في كل لوحة من لوحاته، عملت يد الفنان وريشته العريضة وسكينه حيناً في وضع بصمات الخصوصية في الابتكار والتفرد الشكلي للتأليف البصري، وتُقدم مهارته وجماع خبرته، ومقدرته على ليّ عنق النص البصري التشكيلي النمطي التقليدي الكلاسيكي، لمصلحة الحداثة التصويرية المُتحررة من القيود والمحافظة على جماليات البيوت والحواري والأسواق والمعالم الدمشقية التاريخية في هيئتها الشكلية الخارجية، من خلال تحويلها إلى أشكال هندسية مُسطحة ومتداخلة، وفي الوقت نفسه تدخل إلى بنيتها الشكلية الداخلية في بواباتها ونوافذها وساحاتها المعانقة لأشعة الشمس والخضرة والوجوه الحسنة، التي أحسن الفنان التقاط بعض من شخوصها، وإخراجها في صيغة بصرية مفارقة للنسب الذهبية واللمسة التصويرية المقننة، بل أودعها في مختبر مُخيلته ومقدرته التصويرية في أوصاف تعبيرية مفتوحة على حساسية الإنسان وتفاعله مع الذات المُفكرة واحترام ذات الآخر.

لوحات تصويرية تنشد التفاعل البصري ما بين حساسية الفنان وطريقته في تذوق مسارب الفن والجمال والمعايشة البصرية مع محيطه، عبر خطوط وسطوح لونية متجاورة ومتناسلة من عجينة لونية خاصة، تجمع في حضرتها الحواري والأسواق والمعالم التاريخية بسطوحها الخارجية، ومفاتن الأسرار والشخوص، يُدونها باقة لونية حاشدة بجماليات المكان وذاكرته الجامعة للكائنات الحية من بشر وسواهم، كعناصر ومفردات تشكيلية موجودة بكثرة داخل ملاحمه الشكلية. خطوطه الصريحة وملوناته المزهوة بنضارتها وتجانسها اللوني هي السمة الغالبة في طريقة اشتغاله التقني التي وجد في التعبيرية التجريدية فسحة مريحة لتقديم صورته الفنية المميزة والمحمولة بالموهبة والخبرة والتفرد ما بين أبناء جيله.

As'ad%20Arabi%2001.JPG