دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (6): الفنان عبد المنان شمّا: واقعية الوصف وجماليات التأليف

عبد الله أبو راشد قرأها 5
  

الفنان التشكيلي السوري عبد المنان شمّا يُمثل قيمة إنسانية وأخلاقية كُبرى، عامرة بروح التعاون الإيجابي مع الأقران والطلاب والمعارف، وعلامة فنية تشكيلية فارقة في مساحة الفن التشكيلي السوري الأكاديمي والمُعاصر. أجاد فن الحياة عبر لوحات تصويرية شغوفة بواقعية الوصف البصري والمعالجة التقنية المُحافظة على توازن لمستها الأكاديمية، وما تجود قريحته الشخصية وطيبته المعروفة، الحافلة بتقنيات التواصل الاجتماعي في فنه وعلاقاته الإنسانية العامرة بمصداقية التعامل القائمة على احترام الذات والآخر، لوحاته ونمط حياته في توافق وطباق دائم، فيها مُتسع لذاكرة متوهجة على رسم وتصوير المزيد، تنسج علاقات أخوة ولحمة شكلية مميزة، تمد الجسور صريحة ما بين سلوكه الشخصي وخطوطه وملوناته النظيفة التي تشبهه تماماً.

هو من مواليد مدينة حمص عام 1937، برزت مواهبه الفنية في سن مُبكرة إذ أخذ بيده الفنان المدرس المرحوم صبحي شعيب منذ بداية المرحلة الإعدادية، وأوصله إلى بر الفنون الجميلة التشكيلية عبر قارب الفوز في مسابقة الرسم في مدينة دمشق والفوز بالمرتبة الأولى، كمرشح لدراسة الفن في جامعة موسكو عام 1958 وليتخرج فيها عام 1965. وأتيحت له الفرصة ثانية بالفوز بمقعد دراسي آخر لصالح كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق متابعاً الدراسة ما بين 1966 و  1971 حاصلاً على شهادة دكتوراه فنون جميلة. عين بعد عودته في الهيئة التدريسية لكلية الفنون الجميلة، وتدرَّج في المناصب الإدارية والفنية، وله أتباع ومريدون ومُقلدون لطريقته المتبعة في إنتاج لوحته الفنية التشكيلية.

دمشق القديمة حاضرة بقوة في كثير من لوحاته، فهي حاضنته الثانية بعد مدينته حمص، أخذت من مساحة وجدانه ومواهبه بعضاً من اهتمام، والغوص في بحر خطوطه وملوناته السابحة في مدارات اللوحة الواقعية الحسيّة التي تُدْخلك إلى مفاتن متعتها البصرية بلا استئذان، لوحات مفتوحة على جماليات الوصف والتأليف التقني الأكاديمي، لا تُغادر منابتها المهنية وصنعتها المدرسية، ولا تنخدع بمقولات الحداثة بالفن وما بعدها، يسوقها كعرائس بصرية متناسلة من واحة التاريخ، وذاكرة الناس البسطاء، والمعايشة اليومية لفصولها المنثورة في الأزقة والحواري والأسواق والمتاحف والمساجد، مسجلة يوميات من مقاهي دمشق الحافلة بزوارها من جميع الطبقات. تحمل في متنها أربعة مواضيع رئيسة يُمكن للمتلقي تلمسها في عموم لوحاته التصويرية:

·        الأولى متدثرة بعمارة المسجد الأموي الكبير في واجهاته ومآذنه وأوابده وحركة المصلين فيه.

·        الثانية تجوب في حضرة التكية السليمانية بمدينة دمشق المطوقة بأسواق المهن اليدوية فيها، وما يُحيطها من معالم أثرية وتذكارات.

·        الثالثة تستأثر برسم كتل بشرية متواترة داخل مقهى دمشقي هنا وهناك.

·        الرابعة تتسلل إلى الحواري العتيقة تنشد رصد عناق المنازل والبيوت وجماليات البناء المرصوفة في حميمية شكلية، وهندسة معمارية مليئة بصدق الوصف البصري والتعبير، تُبرز مكونات الحياة الخارجية وحركية السطوح، مشغولة بتقنية متفردة، فيها نظافة مشهودة للون الموصول بتداعيات اللقطة المرصودة.

يبني الفنان لوحاته التصويرية وعالمه الفني التشكيلي وفق الأنماط المدرسية المعهودة في أكاديميات الاتحاد السوفيتي السابق، من اختيار لقطة الكادر البصري المرصود، وزاوية الرؤية ونقل المدركات الحسيّة الأولى بقلم الرصاص على خامات ورقية، في سياق مجموعة من الرسوم السريعة والتوصل إلى الصيغة النهائية التي تُرضي بصره وبصيرته، لُيعيد نقلها من سطوح التأليف الخطي على الورق إلى خامة القماش المُحضر لاستقبال مفرداته وعناصره التشكيلية الموزعة بدقة وصف متداعية داخل أروقة المساحات المدروسة والحاضنة لتفاصيل لوحته التصويرية الملونة، والمطابقة الشكلية للنسب الذهبية ومراعاتها لعدد مرات التكبير. وبدأ عمليات العزف التقني بريشته الرصينة بما تيسر لها من ملونات أساسية متعانقة، متدرجة العلاقات اللونية ومتباينة الحدة ما بين لون أساس ومشتق في حرفية ملحوظة، يحرص فيها على المطابقة الوصفية مع النموذج المرسوم، والالتزام بقواعد التصوير الواقعية ولكن بنظافة لونية، تجعل عين المتلقي تقف طويلاً أمام نسيجها الشكلي وقفة مودة وإعجاب.

النور

دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (5): الفنان محمود جلال.. روحانية الفن والعلاقات الإنسانية