يُعد الفنان التشكيلي السوري محمود جلال الأب الروحي والتربوي للحركة الفنية التشكيلية السورية منذ نشوئها في خمسينيات القرن الماضي، وهو القدوة الحسنة والمجال الحيوي الإداري والفني والإنساني للعديد من الفنانين التشكيليين السوريين الذين عملوا في حقل التربية الفنية وتدريس الفنون، في إطار وزارة التربية عموماً ومدينة دمشق خصوصاً، لمكانه الوظيفي وحساسيته كفنان تشكيلي موهوب، ومحمول بطموحات كبيرة وإداري ناجح في قيادة بوصلة الفنون والتربية الفنية بالاتجاهات الصحيحة.
هو من مواليد طرابلس الغرب عام 1911، تنقّل مع والده ما بين مجموعة دول وعواصم عربية وأعجمية، طاب لأسرته المقام في سورية منذ عام 1914، موزعة ما بين محافظاتها، لتستقر في مدينة دمشق. تلقّى رعاية والده وتشجيعه لدراسة الفنون بالمراسلة مع أحد معاهد باريس، ثم انتسب للأكاديمية الملكية للفنون الجميلة في روما على نفقته ما بين1935- 1939، متخرجاً في قسم التصوير الزيتي. بعد عودته إلى سورية عُيِّن مدرساً للفنون بمدينة دير الزور ما بين 1939- 1943، وانتقل للتدريس في مدرسة التجهيز الأولى والتجارة، ودار المعلمين بدمشق، ثم مشرفاً تربوياً اختصاصياً ما بين 1954 و 1961، تسلم مهام نقابية وإدارية عديدة ، نال الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى عام 1971، وافته المنية عام 1975 تاركاُ مجموعة من الأعمال الفنية وذكرى طيبة في الحركة الفنية التشكيلية السورية.
كان فناناً متعدّد الصنائع الفنية ومتنوع القدرات والمهارات وموزعاً مابين تقنيات الرسم والتصوير والنحت وميادين التربية والإشراف التربوي الاختصاصي، تجد في لوحاته وأعماله الفنية مجموعة من التذكارات الفنية المُعبرة عن واقع حياتي حافل بالتجارب، ويميل في طبيعته الشخصية ومواهبه وخبراته للنزعات المدرسية الأكاديمية، جاعلاً من الاتجاهات الكلاسيكية والواقعية التعبيرية مفاتيح لوحاته عموماً والنحتية خصوصاً.
مدينة دمشق حاضرة بقوة في لوحاته، ومشغولة معالمها وناسها بصيغ تعبيرية نمطية فيها روحية الإحساس بالجمال الطبيعي القائم على النقل المباشر، ومحاكاة واقعية للشخوص والأماكن والتجليات. لوحاته الزيتية التصويرية لا تُغادر محترفه الوصفي وفسحته الجمالية المتناسلة من وهج الغوطة وجماليات الطبيعة الخلوية. رسم حالات مُبسّطة لمواسم الفصول ومتغيرات الطقس والطبيعة والإنسان، تبوح بمكونات النفس وما يطيب لها من معالم، مُعتمداً فيها على اللقطة التسجيلية التعبيرية، في سياقات خطية وحركية فيها شيئ من الواقعية التعبيرية الموشاة بلمسات انطباعية، تُعطي للوحات مداً عفوياً في طريق التأليف والتوصيف، تدور في مدارات المُدرك الجمالي عِبر الحواس وحساسية العين المُبصرة والذاكرة البصرية المُحملة بتداعيات اللحظة المناسبة للتوثيق بالخط واللون لأماكن من مدينة دمشق القديمة.
البنية التشكيلية لمجموع رسومه ولوحاته وحتى منحوتاته تقوم على أسس ومبادئ الرسم الأكاديمية بالفن، من رسوم سريعة تمهيدية ( كروكي)، ومن ثم نقلها على سطوح الخامات المتوفرة من قماش ومواد صناعية أُخرى، في ملونات جامعة لدائرة الألوان الأساسية، من أحمر وأصفر وأزرق، وما يتصل بها من تدريجات مشبعة بزهو اللون، وبساطة الفكرة. والتأليف التقني يدرج عموم لوحاته في ثلاثية العزف البصري الموزعة في مستويات رؤية بصرية متدرجة في أسفل اللوحة ووسطها وأعلاها، مُشكلة حالة بصرية متواترة ومألوفة في جميع لوحاته، من الانتقال الرتيب لكتله وخطوطه وملوناته المعانقة على الدوام خاصة اللون الأخضر والبني والأزرق المتنوع في غالبية لوحاته.