دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (8): الفنان ممدوح قشلان في وظيفية الفن الاجتماعية

عبدالله أبوراشد قرأها 5
  

دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (8):

الفنان ممدوح قشلان في وظيفية الفنالاجتماعية

عبد الله أبو راشد

الفنان التشكيلي السوري (ممدوح قشلان) يُعد ركناً أساسياً من أركان الحركة الفنية التشكيلية السورية، ومؤسساً فاعلاً لنقابة الفنون الجميلة. وله أيادٍ بيضاء في تشكيل بطانة تربوية من الفنانين التشكيليين الأكاديميين، العاملين في ميادين تدريس الفنون والتربية الفنية في مدارس القطر ومعاهده عموماً ودمشق خصوصاً. وهو فنان متمكن من أدواته الفنية التشكيلية، وشخصية ثقافية ونقابية لها حضورها داخل أسوار الوطن السوري والعربي والدولي. ومن روّاد الحداثة في فن التصوير السوري المعاصر.

هو من مواليد مدينة دمشق عام 1929، تخرج في أكاديمية الفنون الجميلة بروما عام 1957، مؤسّس ونقيب للفنون الجميلة السورية عدة دورات، وشغل موقع مشرف تربوي اختصاصي للتربية الفنية في محافظة مدينة دمشق حتى تقاعده. مارس فنون الرسم والحفر والتصوير الملون منذ تخرجه، وأقام أكثر من سبعين معرضاً فردياً، وله مشاركات في المعارض العربية والدولية، وحاصل على مجموعة جوائز وشهادات تقدير، وصاحب صالة إيبلا للفنون ومديرها في مدينة دمشق.

دمشق القديمة في جمالياتها المألوفة وحركة ناسها الطيبين هي مدينته المُدللة، التي تجدها فصيحة البيان البصري والشكلي في مواسم ابتكاره، وتحتضن جدران المتاحف المحلية والعربية والدولية وهواة الفن عشرات القصائد البصرية التي ابتدعتها مُخيلته الواسعة، ويده المقتدرة على رسم وتصوير لوحات حافلة بأغنيات المكان الدمشقي، في مساجدها وأسواقها وغوطتها ومرابعها السياحية وناسها، عبر ذاكرته المفتوحة على فضاء الحرية ووظيفية الفن الاجتماعية المنسوجة في مقامات تصوير فني وشكلانية خارجة عن سرب الآخرين. تلوذ بمعابر التلخيص والإيجاز الشكلي لمواقع وشخوص. فحبال الود والمحبة والأُلفة ما بين الفنان (قشلان) ومدينته دائبة الإيقاع والحركة والتوالد، مربوطة بمقامات سرد بصري، وحبكة شكلية جمالية جامعة. تعرف عناصره ومفرداته التشكيلية طريقها داخل لوحاته التصويرية وأزقتها. تُدخلنا مباشرة في متن مؤثراتها الحسيّة، وبث ملامح الانفعال بلا مواربة أو استئذان، وتُقربنا خطوة من واحة رغباته الذاتية، وعمائر بوحه المعرفي والجمالي. وتقودنا في لحظة التأمل والمواجهة لمدارات حساسيته وانفعاله الصادق بالأشياء والرموز، عِبر توليفات اللون وصراحته المتداعية فوق سطوح الخامة، وتنويعات الأماكن والشخوص، لا تُبقي أية مساحة للمصادفة بل هي ناتج وعي بصري بقدرته على تأليف حالة تعبيرية، مُنفعلة بطاقة اللون وجغرافية الفكرة الموصوفة، وخلق نقاط تفاعل مع مضمونها وطريقته التقنية في نسج علاقات لونية متآلفة ومتعارضة في كثير من الأحوال، تدور في تجليات المشابهة الشكلية الحسيّة المُفارقة لواقعية التصوير الكلاسيكي. لا تخرج عن ملونات دائرة الألوان الرئيسية في مشتقاتها المتنوعة الحدة والحساسية. تُقدم ولائمها البصرية المُشبعة بالاتجاهات التعبيرية ذات النكهة التكعيبية، التي تُحيل سطوح اللوحات إلى بنية هندسية متراكمة المكونات. تجمع في أحضانها جميع تجليات المُسطحات الهندسية المتناسلة من أشكال المستطيل والمربع وما بينها من تداخلات بينية شكلية وجمالية، وتبوح بتجليات الهوى والعشق المرصع بوظيفة الفن الاجتماعية، التي تستحضر جميع مكونات الحياة اليومية من مهن وصنائع، وأوابد تاريخية وحضارية، ومناظر طبيعية وطبيعة صامتة، وشخوص من أطياف طبقية متعددة موزعة ما بين البداوة والريف والمدينة، تصوغها يد الفنان بحرفية واضحة وتمكن أسلوبي درج عليه منذ عدة سنوات، وأمست طريقته في التعبير والتوصيل والإحالة البصرية، مرجعية للعديد من الفنانين التشكيلين السوريين.

لوحاته عموماً وعن مدينة دمشق القديمة خصوصاً، هي حالة من المداد البصري، المفتوحة على شهية التلقي، والمحمولة بشرعية المحاورة ما بين ثقافات الشعوب، وتجارب فنية تشكيلية متنوعة المشارب التعبيرية والتقنية والخلفيات. وهي تُمثل جسراً بصرياً متماسك المواصفات الشكلية، تجمع في داخلها مفهومي (الأصالة والحداثة) في الفن، وتفتح بوابات المساءلة والتأمل والوقوف على جماليات الصورة، وعلاقتها الطبيعية والمُباشرة بالواقع الاجتماعي الذي يعيش الفنان في طياته أصالة مُنحازة في دلالاتها الجمالية وأبعادها التقنية إلى جماليات وطن وأمة وتاريخ شعب عربي عريق، وحداثة فنية متناسلة من دروب المعاصرة الأوربية الغربية في الفن والمتوارية خلف الاتجاهات التعبيرية التكعيبية.

لوحات مشغولة على الدوام بهموم الإنسان العربي اليومية، ونبش ركام تاريخه وجمالياته الحاضرة والمُغرقة بالقدم، لاسيما قضايا النضال الوطني والطبقي، وحركة العمال والفلاحين والبسطاء. والبحث الجاد عن موطئ قدم له في عالم الفنون الجميلة التشكيلية. وكان له ما أراد في هذا الاتجاه، فقد غطت شهرته ومكانته الفنية تضاريس الوطن العربي والدولي، في حضوره الفني والثقافي في أكثر من مؤتمر وندوة ومعرض.

النور

دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (7)

الفنانة إقبال قارصلي في حوار الأمكنة والفنون