لوحات الفنانة التشكيلية ليلى نصير في صالة أيام الفنون بدمشق: تقاسيم بصرية على أنغام حزن شخصي قديم
|
لوحات الفنانة التشكيلية ليلى نصير في صالة أيام الفنون بدمشق: تقاسيم بصرية على أنغام حزن شخصي قديم عبد الله أبو راشد لوحات الفنانة التشكيلية السورية (ليلى نصير) المعروضة في صالة أيام الفنون بدمشق منذ 26 شباط حتى 13 آذار 2008، ما هي إلا إطلالة متأخرة بعض الوقت على جمهور الفن الدمشقي، تتهادى شخوصها فوق جدران الصالة كأسراب الحمام، تنسج عبق الرمز والأسطورة وتجليات الأنا الشخصية، المنفعلة بما حولها، والمحزونة بشجون الفقراء والثوار والشهداء، ترسم تضاريس شكلية لوجوه مستعارة من دروب الآلام الشخصية. لا تختلف في جوهرها، ومحتواها الفكري والتقني والجمالي، عن لوحاتها المنسوبة إلى مرحلة دراستها الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة ما بين عامي 1958 و1963 وما بعدها، ولا تُفارق وحدتها العضوية الفنية الجامعة، وطريقة اختيارها لرموزها وعناصرها، وأدوات تعبيرها التي ألفتها منذ خمسة عقود من الزمن. بقيت مُحافظة على خطها الشكلي وأمينة لخصائصها التقنية متعددة الصنائع، ومُنحازة لشخوصها المأزومين والمتوالدين من معايشة حقيقية ليوميات الحزن العربي في سورية وفلسطين ولبنان. ثلاث مدارس فنية شكلت حاضنة طبيعية لفنها: الانطباعية التعبيرية، التشخيصية الحسيّة، التعبيرية التجريدية. مسكونة بالرمزية والإحالة الدلالية، واللوحة لديها، أشبه بقطعة موسيقية متناسقة المقامات البصرية والمُعبرة عن منولوج داخلي للفنانة، تئن تقنياتها تحت وطأة حدسها الانفعالي بالحدث، كصدى روح ونفس مهمومة بلحظات الحزن العصية على الصمت. لوحاتها مفتوحة على بكائيات العرب المُستدامة، مُتدثرة بملامح آدمية غارقة في الكآبة والحزن، وكأنها مُستلبة للتو من لحظات فرحها وآدميتها أيضاً. تغوص في غواية الألم وحكايات الطفولة الهاربة، وعبث السنين ومجاهلها، تسبر حفريات الأسطورة المرتسمة في جغرافيا الوجوه، وتضاريس الزمن العربي العاثر. وحركة الأجساد الشكلية الراقصة على مذبح قربانها الأنثوي، مُعلنة خسارتها كأنثى، أمام انتصار العالم الذكري وسطوته، في تعبيرات حسيّة قريبة من مجاز الوصف البصري، مُلونة بتفاصيل الحكاية الشخصية التائهة في دروب الألم، والشعور الشخصي الصادق بالأشياء، وبمعاناة الآخر الإنساني في الضفة الطبقية المسحوقة، مصاغة بتعبيرات تشخيصية حركية، متناسلة من تعبيرات الوجوه العربية المقهورة، وأصحاب العاهات الجسدية، وذوي الأمراض النفسيّة، والمُعذبين في الأرض العربية المُقطعة أوصالهم، إثر مجزرة صهيونية هنا، ومذبحة هناك. رموزها التشخيصية ومفرداتها التشكيلية، مُنفعلة بما حولها من معاناة وأحداث، مُشبعة بحزن عربي عتيق، تسرد تقاسيمها الخطية واللونية ولائم حسيّة لسياق شكلي فريد. تجمع فيها خصائص الرسوم الحفرية (الغرافيك)، والأنساق النحتية، والتعبيرات الخطيّة الرمزية والتوضيحية، ومفاتن التصوير الملون الزيتي والباستيل وقلم الرصاص والأكرليك، وتخوض متعة التجريب في قوارب قوس قزح، ودائرة ملونات نيوتن التشكيلية، لا تُشبه فيها أحداً إلا ذاتها الإنسانية. تنسجها مقامات بصرية مُحملة بصوفية اللون، وصخب الخطوط المتآلفة حدة وتوازناً وتداخلاً في جميع الجهات، تسكن مفرداتها في جداول شكلية متناثرة فوق سطوح الخامات المستعملة، في عراك تقني وموضوعي مُبرر لصحوة المدارس والاتجاهات، الأكاديمية النمطية منها، والتشخيصية التعبيرية، المُتسربة في حكايات مُستعارة من وحي حدس وذاكرة بصرية حافظة، ما زالت عامرة بمساحات الحزن الشخصي الدفين، المنثور عبقه في جميع شخوصها المأزومة، وأجساد بنات جنسها المرصوفة فرادى وجماعات في متواليات الكتل الشكلية المتآلفة، تعكس المستور من النقاط المخفية في شخصية الفنانة، وترصد صدق اللحظات التعبيرية وملكة الموهبة وحُسن الصناعة، وطريقتها في رؤية الأشكال والأشياء والشخوص، كلون تشكيلي متفرد في واحة الحركة الفنية التشكيلية السورية، تجمع في لوحاتها سمات وخصائص الريادة ما بين بنات جنسها، وأنها بحق من الأصوات النسائية المنحازة بقوة إلى الأنثى في جميع مُبتكراتها التشكيلية والشعرية |
|
|
