شرُّ البَلِيـَّة
قال الروائي الجزائري الطاهر بن جلون في حديث مرويٍّ على لسان الروائي المصري جمال الغيطاني: "إن عصر الأدب الجاد ينحسر الآن، وإن المفهوم الأمريكي للثقافة ينتصر، وخاصة في فرنسا التي كانت الثقافة الجادة تعتبر من مقومات الحياة فيها.. المفهوم الأمريكي يَعتبرُ الكتابَ سلعةً.. ليس المهم قيمة المضمون.. المهم ترويجه من خلال أساليب التسويق الحديثة (....) إن تسليع الأدب أخطر ما يهدده، وللأسف هذا المفهوم الأمريكي يسيطر الآن على أوروبا ويتعمّق، خاصة في فرنسا"... ثم.. يضيف بن جلّون: "إن الوضع في العالم العربي بالغ التردّي، وعدد قراء الأدب الجاد الآن لا يزيد على ألف قارىء، وليس أكثر، على امتداد العالم العربي كله!!!..".
كلام بن جلون صحيح، ولكن في جزء من المشكلة.. أما الجزء الآخر فهو أننا أمة شِفاهية بالوراثة، عاشت زمناً على (السوالف)، وزمناً آخر على الملاحم التي يرويها حكواتي المقهى... وحين غزت المطابع القادمة من الغرب عالم الشرق الرازح تحت عمائم بني عثمان، اعتبرها أصحاب العمائم العثمانية، و(ملوك الحرملك) رجساً من عمل الشيطان.. ومُحدثَة:.. وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"!!..
إذن، الأمر ليس أمر تسويق، ودعاية تسويقية (عندنا).. بل هو أمر ميراث، يخشى أنه صار في الجينات!.. وقد زادت مناهج التربية (التعليم سابقاً).. في الطين بِلّةً.. ففي كل مدارسنا، من المحيط الهادر، إلى آخر حدود موريتانيا والصومال، سيكتشف الباحث وجود بند لمكتبات مدرسية، لكنها مكتبات وهمية.. لم تُرصد لها أيّة ميزانيات.. وإن وجدت المكتبة، فرصيدها يأتي من التبرعات.. وما أكثر المتبرعين بكتب لا تزيد عقل الناشئة إلا انغلاقاً... وأستثني هنا اتحاد الكتاب العرب (اتحادنا) الذي يقدم، مجاناً، مئة عنوان من الكتب، لأية مدرسة تطلبها.. تخفيفاً على مستودعاتها عبء التخزين!!..
وحملتني حميّة (الخبطة) الصحفية، ذات يوم، لأن أبحث في أمور المكتبات المدرسية، ووصلت، ضمن بحثي إلى إحدى الثانويات، وسألت المديرة عن المكتبة، فقالت: موجودة!... وحين طلبت رؤيتها، وتصفح بدائعها، اعتذرتْ، وقالت إن "أمينة المكتبة (أخذت) إجازة أمومة، لمدة ثلاثة أشهر، وأخذت مفتاح المكتبة معها"!!...
وعدت بعد ثلاثة أشهر.. وسألت إن كانت (الأم) قد عادت... وأجابتني المديرة بكل جدّيّة: "أمينة المكتبة أنجبت طفلاً جديداً.. ونحن المعلمات بصدد ترتيب زيارة لها، وتقديم هدية تليق بولادتها الجديدة"!!... وحين استأذنتُ المديرة بنشر مثل هذا الكلام في الصحيفة التي أعمل فيها، قالت: انشره.. ولكن لا تنسبه إلي.. وإذا نشرته، فذنبك على جنبك... لأن (الأمينة) زوجة فلان الفلاني!!..
فضحكت!... وشر البلية ما يضحك!!...