دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (4): الفنان ناظم الجعفري في مقامات العشق البصري

عبدالله أبو راشد قرأها 5
  

لم نجد في تاريخ الفن القديم والحديث فناناً تشكيلياً أحب مدينته كالفنان التشكيلي السوري (ناظم الجعفري)، فقد استوطن حب مدينة دمشق عموماً والقديمة خصوصاً عقله وبصره وجماع مواهبه، وتجلى ذلك في لوحات ورسوم متنوعة الخصائص الفنية والتقنيات. كان وما زال يتأبط أدواته الفنية ويجوب حواري مدينة دمشق القديمة وأسواقها - بالرغم من سنوات عمره التسع والثمانين-يُدون مقامته البصرية في عشرات، بل آلاف الرسوم التصويرية بأقلام الرصاص تارة والحبر الصيني تارة وملونات أقلام (الفلو ماستر) في أغلب الأحيان، تذكرة عبور لهيام لا ينتهي في حدود الوصف والكلمات.

 الفنان ناظم الجعفري من مواليد مدينة دمشق عام 1918، برزت مواهبه الفنية التشكيلية في سن مُبكرة، حملته أقداره بعد نيل شهادة الدراسة الثانوية لمتابعة دراسة الأكاديمية بميادين الفنون الجميلة التشكيلية بكلية الفنون الجميلة في جامعة القاهرة، مُتخرجاً في قسم التصوير فيها عام 1947، بدأ حياته المهنية بعد عودته إلى دمشق مدرساً لمادة التربية الفنية بثانوية ابن خلدون بدمشق، وكان له شرف المساهمة في تأسيس كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق والتدريس فيها، وكذلك الأمر بالنسبة لمعهد إعداد المدرسين قسم التربية الفنية بدمشق الذي بقي فيه مُدرساً لمادة التصوير حتى سن تقاعده، وقد كان أباً روحياً ومعلماً مُحباً للعديد من المواهب الفنية التشكيلية السورية والعربية التي مرت في واحة ميدانه التربوي والتعليمي، وأمسى لها فيما بعد حضورها في  مجالات التربية الفنية والفن التشكيلي السوري كافة.

 دمشق القديمة هي الاسم الفني الحركي للفنان الجعفري مسكونة في ذهن المتلقي الأوربي الغربي، ومجهول الهوية والوجود في مستوى العروض الفنية المحلية الخاصة والرسمية، والذي أودع جعبته الفنية المليئة بعشرات اللوحات التسجيلية الحافلة بحيوية الشام وناسها الطيبين، ستجد في متنها جميع الأبنية الأثرية الحضارية والتاريخية، موثقة ومرسومة بعناية فائقة ومن أكثر من زاوية رسم وتقنية. تسبح في أتون معالم دمشقية عريقة قد أخذتها مساحة العمران المُعلبة الحديثة في طيات النسيان إلى غير رجعة، ولكنك ستكتشف وجودها الحيوي والحار في مدارات خطوطه وملوناته ورسومه. مساجد دمشق بأسرها وفي مقدمها الجامع الأموي الكبير، وأسواق الحميدية والطويل وتفريعاتها المتعددة، وأبواب دمشق التاريخية، والتكية السليمانية ومتحف دمشق الوطني والحربي، ونهر بردى في فروعه الستة، وقاسيون في قامته العالية المديدة، هي عناوين أساسية في سجل يومياته الحافلة بجماليات المدينة، وبأشخاص عابرين في واحاتها، يرسمهم على سجيتهم وفطرتهم وبساطتهم، يُلبسهم أثواباً مشابهة ومفاصل تعبير وتوصيل فائقة الدقة والمشابهة والمحاكاة. اللوحة لديه مشغولة على الدوام بحركة يده البارعة وعقله المُدرك أصول الرسم والتلوين والصنعة، وأساليب بنائية اللوحة لديه لا تعرف الخطأ التشريحي ولا الممحاة والإعادة.

فنان موهوب ومُتمكّن من أدواته الفنية وقدرته على المحاكاة والتشخيص والرسم المُباشر، تُغنّي رسومه قصائد الجعفري الجمالية المحمولة بتقاسيم الوصف لمعالم المدينة التي سكنته من رأسه إلى أخمص قدميه. واستحوذت على مشاعره وأحاسيسه وأخذت منه لحظات صدق متكرّرة في لوحات فنية حافلة بالخصوصية والتفرد.

بناء اللوحة لديه مُباشر وتراكمي بلا أفكار مُسبقة، يقف في زاوية تأمل ومعاينة للمكان، وبشكل تلقائي تمتد يده إلى أدواته فاتحة طريقها لرسم طقوسه البصرية المتناثرة فوق سطوح خاماته. وما هي إلا دقائق حتى تنتهي القصة، لتبدأ قصة عشق بصرية جديدة، وهكذا تمرّ الساعات بعد صيد بصري ثمين، ويُعيد الكرة في اليوم التالي، حتى غدت عادة يومية يُتقن مفاعيلها بكل إخلاص ومحبة طيلة خمسين عاماً بلا كلل أو ملل. لوحاته واقعية انطباعية لا تُفارق ملوناتها الطبيعية ومناطق خصوصيته وحسّه الداخلي بالأماكن والأشياء، مُمجّدة المكان والإنسان وغارقة في كنف جمالياته.

imagwertfgawt4te001.jpg

الفنان التشكيلي السوري ناظم الجعفري

وبعض لوحاته

imageayhaeyhae5yh5eyhsayrtygsr002.jpg

imageayhewryhaehe5he5h003.jpg

imagaw4taw4taw4tawe004.jpg

image00a4wtaw4tw4t5.jpg