"الموت الأبيض" – قصة قصيرة
أخذت فرائصه ترتعش.. وجسده يرتعد، اتّسعت حدقتا عينيه، فتح شفتيه ضاغطاً على أسنانه، لا يقوى على التّنفس، ترنّح قليلا.. ثمّ وقع.. ضغط على معدته بكلتا يديه، فتح شفتيه من جديد فسال لعابه على ذقنه التي لم تعرف الحلاقة منذ أيام، حاول جاهداً أن يقف، فاتكأ على جانب السرير ووقف منحني الظهر يسعل.. فيتطاير رذاذ اللعاب والبصق إلى كلّ جانب، يتنفس ملء رئتيه، فيحمرّ وجهه قليلاً ثمّ تتلون الأشياء من حوله بلون رمادي، فيمدّ يده فاتحاً درج خزانة صغيرة باحثاً عن شيء. يخرج شيئاً من الدرج، يضعه على منضدة أمامه، يقرّب وجهه من المنضدة.. يضع سبابته اليمنى على منخاره الأيمن، وبالأيسر يشمّ ما على المنضدة بكل قواه..
يعتدل في وقفته.. ويخرج!
تبعثرت أشياؤه في الغرفة وتناثرت في كلّ ركن من أركانها، سترته الحمراء على كرسي قرب الخزانة، بنطاله الأبيض على السجادة قرب السرير، علبة سجائره مفتوحة ملقاة بجانب الباب، ولاّعته فوق حافـّـة السرير، غرفته توحي بغرفة النجفي.. لكنـّـها.. بدون عناكب..
مع انفتاحة الرؤى، كان ملقى على أحد المقاعد في إحدى الحدائق العامّة، تفوح من أنفاسه رائحة الخمرة الكريهة، يحاول أن يبلع ريقه فيشعر بألم في حلقه فتنبلج عيناه عن نظرة ضعيفة ما تلبث أن تنسدل أهداب عينيه عليها.. ليعود إلى نومه الثقيل دون أن تزعجه أو توقظه أصوات السيارات التي تقل العمال إلى أعمالهم.. يداه ممدودتان حول المقعد وقد اتخذ من السماء لحافاً.. جثة.. أو شبه جثة، وصوت شخيره الناعم هو الدليل الوحيد على وجود روح حيّة داخل هذا الجسد..!!
فجأة.. ترتسم ابتسامة على شفتيه..
سعيداً كان، أحبّ الحياة بكل ما أوتى من محبّة، فقد كان في بيت والديه الإبن البكر المدلل، قـُـدِّمت له أشياؤه دونما أدنى تعب وحصل على مبتغاه لمجرّد أن طلب..
رآها.. فتاة في مثل سنّه، بعينيها السوداوين، بقوامها الرشيق، بشعرها المبعثر على كتفيها، بمشيتها الرقيقة.. أحبّها.. وتمنى أن تكون رفيقة دربه وحياته..
كان في مقتبل العمر، لم يمرّ بتجارب الحياة المرّة، لم يعانِ من مشاكل الحياة ومشاقها، أحسّ فجأة وكأنّ أبواب الحياة موصدة بوجهه لمجرّد أن.. رفضت لقاءه.. لم يحسن التّصرّف.. فرفضته..
وفجأة.. تتوارى الابتسامة عن ثغره، ويقطّب ما بين جبينه.. حزيناً كان عندما صفعته الحياة صفعتها الأولى، فعاد إلى بيته وقد قرّر أن ينتقم منها.. وهو لا يعلم، أنّه بذلك ينتقم من نفسه، ظنّاً منه أنّه يحق له الانتقام من إنسانة لم تستظرفه، ولم توافقه الرأي، ولمجرّد أنـّها لم تنصع لأوامره ولم تلبّي رغباته.. دخل منزل والديه متّجها نحو درج طاولة غرفة الصالون، فتحه.. وأخرج منه مبلغاً من المال، دسّه في جيبه.. وخرج.. وفي عينيه.. غضب السنين!!
فجأة.. تعود ابتسامة صغيرة لترتسم على شفتيه..
دخل حانة وطلب زجاجة ويسكي وبدأ يشرب.. الكأس.. تلو الأخرى. حمل زجاجة الخمر في يد وكأسين في الأخرى واتجه لإحدى زوايا الحانه، حيث جلست هناك امرأة في العقد الرابع من عمرها، يزيّن وجهها قناع الزيف، مبتذلة رخيصة.. جالسها وناولها كأساً من الخمر، وشربا.. وغابا في جحر الخطيئه!!
تذوب الابتسامة.. ويعود التجهّم واضحاً على وجهه!!!
طرده والده من المنزل بعد أن ساء سلوكه، فأجّر له غرفة في حيّ قديم في المدينه، شاب عاطل عن العمل، لا مال له ولا مصدر رزق، يعيش في حالة يرثى لها...