رسائل شتوية

فادي نصّار قرأها 10
 

عندما تمطر سماؤك, تسقط على قلبي قطرات عاشقة محروقة بشوق المغتربين الذين تركوا أبوابهم المزينة بالياسمين مشرعة لريح الشمال القاسية ولخيول القدر.

عندما تمطر هناك تخرج نساء الارض لتغسلن قلوبهن بقوس قزح عربي. فأكتب لهن أجمل أشعار الحب وحكاية عن الزعتر البري الذي كان يحلم بحيفا الهادئة, ومايزال. وأتذكرككم كحركة موسيقا رشيقة فيزداد المطر قوة وغزارة. لأن حبي لكم شتوي طويل مليء بشمسات خجولات تحكين قصصاً عن أولاد بيروت الفرحوي وعن صبايا دمشق وعشاقهن وعن أهلي وبلدي.

نعم.. عندما تمطر على هضابك وروابيك المليئة بمزارات الصالحين والانبياء والمزروعة دوالي كرَم ومحبة، عندها تهاجر أسراب السنونو لتأتيني في الأحلام راسمة لوحة لوجه أبي ذي العينين الزرقاوين راويا بنظراته صحراء عمري معلناً بذلك ولادة ربيع الحياة في قلبي مرة بعد مرة.

يزهر اللوز في حاكورة الدار وترتفع الأسماء الحبيبة كالأغاني مع صور لأصدقاء العمر ورفاق منهم من ترك ومنهم مايزال على المتراس ترتفع كلها مع دفق الدم الى منطقة الذاكرة النبيلة, عندها يطفق الدمع لملء العين خاطاً سطراً آخر في الحب .. فالدمع يكتب الأشواق. ومجرى الدمع يحكي قساوة الأيام وظلمها, والدنيا بأهلها تغيرت, وغاليتي لم تغير عادتها, ففي كل شباط تنتظرني هناك على شارع الحرية في بلدتنا الغارقة بالعادات والتقاليد رغم أنف العولمة وحوار الحضارات، تنتظرني حاملة قلبها وأشعاراً لزياد الرحباني في أغنية لفيروز مع وردة حمراء، فهي تعلم أني أعشق فيروز وزياد واللون الأحمر... لكني لا أعود. تنتظر ولا أعود. فأنا بعيد جداً, أكثر مما تتصورين ياحلوتي, في أقصى جنوب العالم, أنا, حيث تلتصق الأرض بخالقها, والنجوم أكبرما نراها في الوطن, الوطن الذي غرّبنا وكان قبلاً قد علمنا فن الحلم, وكيف وأين تزهر السعادة, حتى أينعت فينا بذور المغامرة .. لذلك تجدنا لانخاف. والبعد جفا .. هكذا تقول كل أمهات الأرض لأودهن. فأنا بعيد عنك.. بعيد عن أهلي أحلم يومياً أن تنمو أطراف قلبي لأستطيع ضمَّك ايتها البهية بكل جوارحي. بعيدا أحلم وأمعن بالحلم أكثر فأكثر الى ان يأتي أيلول ليسرقني منك ومن نفسي كورقة خريف طيّرها الزمن على حدود الكون أمام عينيك, وما عادت لمهدها.

عندما تمطر على ترابك القدسي يجلس عشاق الدنيا أمام نوافذهم يعدّون كم أقحوانة ستنبت الربيع القادم, فوق صدرك الواسع الجميل. تمطر على قراك ومدنك فينتعش قلبي ويتنهد براحة أبدية ممسكاً بسلّم موسيقي أساس نوتته الصبا وشيخ مقاماته الحجاز. تمطر فوقك, فأتذكر أمي مستمعة لفيروز تغني ( شتي يادنيا ليزيد موسمنا ويعلا زرع جديد) قائلة مبارك بطنك يالبنان. ويزداد انهماره, فتعود بي الأمطار لألف بيت شعر لمحمود درويش يبدأها بريتا ولاينتهي الا عندما يدفن بيديه المبدعتين كل المارِّين بيننا وبين كلماته الطلقة.... أتراجع قليلا عن النظر في عين السماء, لأرى برفّة رمشي ساحة الجامع الأموي ملؤها حمام أبيض مسالم, وديرالشيروبيم في صيدنايا, والصخرة الأرامية معلولا، فقاسيون الأبي ومنه البقاع الخيير, وزحلة الجمال, فبيروت فراشة البحرالأبيض المتوسط, ويمنعني حارس اسرائيلي من متابعة حلمي, فالقدس اسمها أورشليم والمسيح لم بأت بعد. وأفتح عيني على حبات المطر... تمطر سلاماً ومحبة في ليلة الميلاد وجانب كل كنيسة رخامية بيوت لأطفال فقراء ????

لست بحاجة لمن يقول لي أنك رائعة وأنك محبوبتي, وأن قلبك أرجوحة عابقة بذكريات الفرح والحزن, وأنك أم الفقراء الطيبين، والبسطاء الذين قلوبهم خميلة لكل العنادل التي ترتل صباح مساء نشيد المحبة. وأعلم أن اسمك نشيد الأناشيد. وأن يغني الليل لعيونك الصيفية أغنية مع الحصادين فهذا طبيعي جدا. فانت تعطين الحياة لكل شيء يدخلك كما فعلت مع قلبي الذي قال ذات شتاء :كلما تمطر السماء تبكي قلوب المغتربين, وكلما بكت قلوبهم أكثر يهطل مطر الهي محملاً برداً وسلاماً فوق أممهم فيزيدها تألقاً ويغسل مايستطيع من قلوبهم.

xgnxgngxntttttttt4444.JPG

* التشيلي - faddchile73@hotmail.com