مساحة وطن

فادي نصّار قرأها 7
 

مساحة وطن

فادي نصار

قلوبنا، وهي مشرعة للحب دائماً وأبداً، لاتستطيع على اتساعها وقوة نبضها أن تحصر الوطن بخفقة.

العين التي هي سراج الجسد ونافذتنا على العالم المرئي،  بكل ماتراه من جمال وإبداع وروعة، لا يمكنها حتى أن تتخيل شكلاً واحداً أزلياً للوطن.

حكايات الجدات، الليالي السعيدة، أيام الطفولة والعيشة الهانئة في بيوت عربية مسقوفة بالعرائش كلها لاتعني الوطن. العودة إلى التاريخ والأدب والفن ومجموع الجماليات الفلسفية والفكرية لا يمكنها أن تحصر وطناً في فكرة مهما تكن متكاملة.

البيادر وفلاحوها، المدن بتلوثها وصعوبة العيش فيها، الجبال والوديان والأنهار ليست وطناً.
رجال السياسة بحنكتهم وبساطة أهل الريف ووحشية الحياة في الصحارى ما كانت يوماً أوطاناً.

الأديان السماوية ما هي لولا الوطن؟

إن الله وقد خلق الإنسان الكائن على صورته وجعل منه الميزة الأكثر فتنة وجمالاً لأية أرض يسكنها فيجعل منها وطناً يعز عليه فراقه في يوم من الأيام ويدافع عنه دفاعاً مستميتاً ضد الأغراب، فالوطن هو الإنسان ووجوده يعني وجود الأوطان والأمم، ولنقل إن الناس الذين في بلدانهم يمتلكون سبل العيش الأساسية وحياة حرة كريمة، تكون تلك البلدان عزيزة مصونة بوحدة أهلها وتعاضدهم.

إن الأمم نشأت على جروح الإنسان ومآسيه، وعلى أكتاف العبيد بنيت الأهرامات. وأعظم حضارات الأرض كان مؤسسها إنسان نبيل. وواضع الشريعة الأول هو حمورابي الإنسان. وأول من كتب عن صورة الإله في العصور القديمة كان إنساناً مثلنا مثله. ومخترع العجلة والضوء والدواء وناطحات السحاب هو إنسان، وكذلك أبو المطابع والجرائد والكمبيوتر هو إنسان.

والإنسان بقدر مايكون حراً طليقاً يكتب، يرسم، يغني، يؤيد، يعارض، يمجد، يشتم، يحب بحرية، بقدر ما يبدع ويخلق ويجعل أوطانه جنات لاترقى إليها إلا جنان الرب ذاته. وأما الحدود والقوانين الجائرة فما هي إلا سجون تحول الإنسان إلى وحش بعيد كل البعد عن حضارة أقرانه، وذلك يميت الأمة ويقتل الأوطان ويدمرها.

الإنسان هو كائن يتأثر ويؤثر، وهذا أخطر مافيه. ولذلك يجب أن تزرع البذور في أرض خصبة أصيلة المنشأ كي تنبت أوطان سليمة معافاة من فساد الدنيا وشرورها، وان يكن هذا صعباً جداً إلا أنه ممكن.

عندما يفسد الإنسان فينا نصبح كلنا لا وطن ولا أمة ولا تاريخ.

لذلك لا تستغربوا أن يكون غيرنا اليوم من دول العالمين الأول والثاني، ونحن من دول ما بعد الأرقام المئوية.

والإنسان المبدع يبني له وطناً، فالشاعر وطنه القصيدة، والسياسي وطنه القضية الفكرية، والموسيقي وطنه الفن، والمتدين وطنه سورة وآية. وكلهم وطنهم الأم هو رحم امرأة يعدُّونها أجمل وأروع وطن في الدنيا، بل وأسمى أمم الأرض، لن تنجب وطناً كأمهاتهم.
أما أنا فوطني يعيش في داخلي منذ أن تركته وتركني، لأنني لا أرضى بالياسمين الذي ينبت على ضفاف المستنقعات، وأعرف أن شجر الصبار لايمكن أن يثمر عنباً و تفاحاً.

وطني ماجدات العراق الواقفات على حدود النار.

وطني فلسطين جرح المسيح الذي لن يندمل.

وطني شجر التفاح على سفوح الجولان الحبيب.

وطني فدائي مات وقد امتد دمه من المحيط إلى الخليج. وطني بيت من الشعر الجاهلي أوله بسملة وأوسطه تبجيل وآخره إلحاد.

وطني إنسان خلاق ولد في قلبه طائر جبار طار ولم يحط بعد باحثاً عن مساحة لوطن.

وفخره أنه ليس هناك وطن مثل وطنه، لذلك انتماؤه إلى الخط الأحمر الوحيد في حياته.. إلى سورية بكل ما فيها من حب وجمال.