بين شبكات المياه وشبكات العلاقات

فادي نصّار قرأها 642
 

بين شبكات المياه وشبكات العلاقات

فادي نصار

إكتشفت بلدية "كفربهم" (واسمها "الغسانية" حتى ماقبل الاحتلال العثماني الظلامي) ومؤسسة مياه البلدة أن السبب الرئيسي لشح المياه في البلدة لم يكن في ندرة المياه الجوفية ولا هو في تضاريس البلدة او غيرها.. ولا نتيجة الثقب الرهيب في طبقة الاوزون وليس زحف التصحر ولاحتى تسونامي رهيب كذلك لم تكن العولمة ولا الارهاب ولا الهجمة الامبريالية على أمم العرب كل هذه الامور التي نلقي غالبا عليها مسؤولية معظم مشاكلنا اليومية منها والمزمنة, أضف الى ذلك أنهم وجدوا أن بإستطاعة الآبار الإرتوازية الموجودة فيها أن تروي كل بيوت البلدة (والتي ستتحول الى ناحية قريبا ولو إداريا) ترويها وتروي أهلها العشرين ألف نسمة ومزروعاتهم ومواشيهم بل وكل مشاريعهم الإنتاجية... نعم لقد إكتشفوا ذلك ولو متأخراً فكان خيراً من ألا يأتي أبدا.

إذن، أين كانت تذهب الثروة المائية لبلدتنا ؟؟؟

لقد وجدت بلدة كفربو (كفربهم) بعد دراسة وبحث مطوليين أن شبكة الأنابيب القديمة التي هي تحت التراب منذ مايقرب من أربعين عاماً ونيف مهترئة وتنزف من كل جهاتها نزيفاً مفرطاً سرياً وخطيراً عندها قرروا استبدال تلك الشبكة بشبكة جديدة... وقد فعلوا ذلك مشكورين, فعادت بفضل الشبكة الجديدة المياه الى أصقاع البلدة بل والى أعلى نقطة في أحيائها الأربعة ذلك الحي المسمى ب (ظهر المصلى) والذي عانى أهاليه الأمرين من جراء انقطاع المياه وكانوا يرون الماء بأحلامهم الى أن أصبحوا لكثرة استخداماتهم لشفاطات المياه الكهربائية خبراء أكثر من الألمان ذاتهم بأعطال تلك الآلات وبالتقنية والميكانيك التي تعمل بموجبها تلك المحركات الصغيرة منها والكبيرة وأصبحوا يعرفون أي اللحظات مناسبة لاقتناص بعض الماء.

لا أريد الإطالة بالشرح وإنما أدعوكم لاستخلاص العبرة من الخبر أعلاه: الثروة بكل أنواعها وأشكالها وألوانها التي في بلد مثل سورية بلد مباركة أرضه وأهله وزرعه، بلد يمتد من أجمل بحار العالم الى بادية غناء وجزيرة واسعة السهول, بلد مليء بالخير, بلد لم يستكن شعبه لغازٍ ولم تفقره كل قرون الاحتلال العثماني... ثروات هذا البلد تكفي حميع أبنائه كي يعيشوا برخاء عظيم وبرفاهية تضاهي السويديين والنمساويين إن لم أكن أبالغ, ولكن النزيف القاتل التي تبدت إحدى أهم مظاهره بالمفاجأة الكبيرة التي أتحفتنا بها الضابطة الجمركية في مرفأ طرطوس بين أن الشبكة الاقتصادية السورية في حال يرثى لها مصابة بداء مدمر سرطاني وقد حان وقت تبديلها كليا بشبكة جديدة إلا أنه يجب الانتباه الى أن الشبكة الجديدة يجب أن تعتمد على المؤسسات أو العمل المؤسساتي وذلك كون الدولة تقوم على مؤسساتها, والمؤسسات يحكمها أناس وهؤلاء يجب إعادة تأهيل الإنسان فيهم.

إن الشبكة التي يجب زرعها لنقل ثروات البلد من مصدرها الأساسي الى أصحاب الحق فيها (وهم هنا سكان سوريا كلهم) بدون تهريب او أي شكل من أشكال النزيف. تلك الشبكة يجب ان تتحلى بالقوة والمتانة والتجانس وأن يقوم عليها أناس يتحلون بالنزاهة والحس الوطني والايمان وهذا شرط اساسي ومحوري ايضا كي نستعيد ثروات بلدنا التي أصبح القاصي والداني يعلم أنها تستنزف في طريقها من النبع الى الطبقات الغالبة بالعدد والمغلوب على أمرها إقتصاديا والإستنزاف داخلي تحكمه شبكة من الفاسدين والمفسدين وخارجي يتمثل بالعدو الاسرائيلي. النزيف الأخطر اليوم موجود في شبكة العلاقات بين البشر وأكثر ماتنزفه تلك العلاقات هو إنسانية الكائن البشري وتتجلى أوضح الصور لهذا النزيف عندما يتعلق الأمر بلقمة العيش حيث يتحول المرء الى وحش يحاول التهام أخيه لأجل ان يستمر في الحياة وذلك يحقق مقولة ماركس بأننا نصبح بشر سلعيين في طور تحول المجتمع من بدائي متخلف الى رأسمالي وبشكل فجائي.

لإيقاف هكذا نزيف دعونا نقتلع الشبكة البالية التي تنزف نقتلعها كاملة ونزرع مكانها شبكة جديدة قوامها الأساسي ضوابط تساعد في الحفاظ على انسانيتنا من التلوث بلوثة المال والربح السريع والتي تحولنا الى وحوش بهيئة بشر.

النزيف أصبح يومياً ويهدد بشكل مباشر عمق الوطن وقلبه, لأن الوطن الذي يفقد أهله إنسانيتهم لايعود لديه كيان الأمة ولا مقومات وجودها وهذا هو اغتراب الناس عن ذاتهم.. على حد تعبير ايريك فروم فإن لم يكن الإنسان سليماً معافى فلا يمكن ان تطلق صفة وطن على اي بلد مهما يكن متطوراً اقتصادياً وسياسياً ومهما تكن كثافة السكان قد بلغت فيه من حد لأن الانسان هو جوهر تاريخ كل الأمم ومبتدؤها .

ختاما فلنعشق أوطاننا ولنعمل دائماً على صيانة شبكاتها الانسانية.