سوريُّ الهوى والقلب

فادي نصّار قرأها 4
  

سأسمح لنفسي في هذه المقالة أن أكون الغربال (الضابط) الذي كانت تستخدمه جدّتي لانتقاء حبات القمح الجيدة وتترك الزؤان وحبات القمح الضعيفة والمكسرة. سأكون الغربال الذي يفصل بين البشر في زمن كثر فيه الزؤان وأصحاب النفوس الضعيفة، إلا أن سنابل الحَب ما تزال تسعى نحو شمس الأمل والحرية في وطن حر كريم. فالناس في بلدي أجناس، فهناك من يأخذنا إلى دنيا الحلم والسعادة، وهناك من يبني أسواراً وأسواراً حول عيوننا كي لا نرى الحرية. بعضهم يذكرنا كل يوم بالأهل والرفاق، ويحيي في خلايانا مورّثات الكرامة، أما الآخر فيحاول جعل قلوبنا حجارة يرميها في نهر الحياة فتفيض الدنيا فينا آلاماً وأوجاعاً وهموماً. ـ منهم من زرع ياسمينة أخرى على جبين الوطن، وآخرون شوّهوا صورة بلدهم في الاغتراب مقابل مصالح شخصية. ـ من البشر من يكبرون بحب الوطن ويكبر هو بحبهم وعطائهم، وآخرون ولدت فيهم كل ثعالب الخيانة والتزلّف والتبعية. منهم من تجتمع فيه الجدية القاتلة مع الهذر اليومي الذي ينعش القلب، وآخرون مرضى النفوس يعكرون صفاء الأيام بكلمة نابية أو فعل فاسد، منهم من افتدى أهله وأصحابه بالروح، ومنهم من باعوا الجمل بما حمل بدولار أمريكي ملوث بلا إنسانية الحروب والاستعمار وفوضى النظام العالمي الجديد. منهم من يطبّل ويزمِّر للسلطان مفضلاً ذلك على فيروز ونزار وجبران، وآخرون يعيشون ثورات الإبداع الفني والأدبي مفضّلين ذلك على ولائم البذخ والانحطاط الفكري والعهر الثقافي واحتفاليات التمجيد أيضاً. هناك من وصفوا الصحافة الوطنية بأنها صفراء اللون، وآخرون كتبوا عن احترام الرأي والرأي الآخر معبّرين عن وعيهم بديمقراطية تحتوي على ألوان قوس قزح جمعاء. منهم من يرى في التطرف والتعصب تديّناً وتعبداً، وفي رفض الآخر وهدر الدم جهاداً عند ربهم. وأما النقيض فيرى أن الإنسان هو الجوهر، والأديان مخازن الحضارة، وأن الانفتاح على الآخر وعيٌ بمشاعر الإنسان الحقيقية. هناك من قتلوا حبنا بالتقاليد والعادات، ومنهم من علّم الياسمين طعم القُبل لثقتهم الكبيرة بأنفسهم. منهم من خنق ورود الفرح وأحلام الطفولة بالنميمة وقصر النظر، ومنهم من شحذ الهمم دفاعاً عن الطفل والأسرة والمجتمع. في بلدي أناس روَّضوا أحصنة أشعارهم على حب واحد هو الوطن، فكان لهم نقيض تحت الغربال ممن قتلوا عصافير الحرية وسدّوا كل نافذة تؤدي إلى اللُّحمة الوطنية، فأعلنوا أنهم ضد الشيوعية والقومية والناصرية والثورية واليسارية وحتى الوطنية، إن لم تصبَّ في مصالحهم، وعدّوا الكل عميلاً إن لم ينشط في محافلهم.

الزؤان ينمو بنموٍّ الفساد، ويتكاثر الفاسدون ليقتلوا سنابل العطاء والخير والنبل الإنساني.

وقد يقول قائل: إنني أعيش خارج حدود الوطن،

نعم.

إلا أن رفاقي وأهلي هناك

معاناتهم يومية

وحربهم ضروس وبلا هوادة على الفساد والمفسدين،

وبما أنني سوري الهوى والقلب والروح فأنا أعتمد مبدأ (ليس منا من يحايد)،

وفهمكم كفاية.

تشيلي

faddchile73@hotmai8l.com