كيمياء الحنين

فادي نصّار قرأها 5
  

مالذي يجعل القلب رهينة والعيون بنادق وحراب؟.

مالذي يعطي الكلمات نغماتها فيعريها من حقدها وجمالها المصطنعين؟.

ومالذي يحيل النظرات وروداً وأشواكاً؟.. وكيف تولد الغيمات حبلى رغم بعض العقم في غيم هذا الزمان؟.

والشمس.. مالذي يجعلها تلد بحاراً وأحيانا صحارى!!.

مالذي يقتل الآمال فينا, ويزرع زهر الذكريات في جنات الأحلام..

انهما الحب والكراهية.

واما ما أكره فهو مايقلقني أكثر ويجعل هذا القلم ينزف أحيانا (وغصباً عني) أحيانا التصاقاً بالوطن وأحياناً أخرى ثورة على من فيه. فأنا أكره اليل والنهار ان لم أرَهما فيك. أكره القمر ان لم يجد مأواه في وجهكِ الصبوح. أكره البحر وأمواجه ان لم يحمل اليّ شجونك وفرحك. أكره الغيم أيضاً ان لم يمر على أرضك ديمة ديمة فيرويك ويحول صدرك لجنة مكسوة بالعشاق. أكره العصافير ان لم تنشد نشيدك مع الناس الفقراء صباح مساء.

وماذا أكره أيضا ?????

أكره الصيف والشتاء.. وحتى الربيع ان لم يزهر عناقيد فرح ومحبة تضيء أيامكِ وتزيد بهاءكِ بهاءاً. ويعتريني حقد أعمى على هذه الدنيا ان لم أستطع كتابة حب من نوع أسطوري تغصّ سطوره بكلمات عميقة المعاني تفيض كل واحدة منها بآلاف القصص الشاعرية عن شهدائك....قصص تقتحم ليل صمتكِ العذري كرف حمام هادئ يحط في أديرة الرهبان وساحات المساجد. جنوب العالم وشماله ,غرب الدنيا وشرق الآلهة.. أكرهها ان لم أجد فيها نسائم تحييني وتبعثني مسيحاً في عباءة الوقت.. نسائم تأخذني من غربتي لترميني في أحضان بساتينك وبين أهلك البسطاء, وأما بعد فأنا أحبك لأني فيكِ تعلمت كيف يكون الحب وبماذا تستبدل الكراهية, وكيف تسيّس القلوب لأجل عينيكِ أحبك ياملهمة, ياشاعرة, ياحالمة بواقعية, وكافرة بإيمان, ومؤمنة بتحفظ. أحبك تصلّين لأيقونة العذراء مريم وأنت تجودين القرآن صلاة وفخراً أيضا أحبكِ. أحبك يا أم الأبطال والمبدعين, وسيدة السّاسة وآلهتهم وصلاة المتصوفين, وهيام العشاق المراهقين.

أكلما يتكلم البشر في سرهم, في سجنهم وعزهم, فقرهم وحريتهم يعبّرون لك عن حبهم مثلما أفعل أنا يوميا????

فمنذ هاجر قلبي بحثاً عن رمّان السعادة وأقواس النصر في أرض كانت تقول عنها جدتي (مياهها قاسية) منذ ذلك اليوم الذي كنت فيه أنت الوحدة في حقائبي وجواز سفري وذاكرتي, منذها وكلما أهاتف أهلي أوصيهم أن يخبئوا لي قطعة من قلبك الرائع, أن يخبئوا لي زجاجة عطر من أريج حقولك الزاهية بألوان الحياة ولوحة فنية تعتصر أفراح الناس وآلامهم, وتكتظّ مسافاتها بكل ماهو راق, لوحة لوجه الله متجسّداً مابين سهول جزيرتك أم المئة حضارة وحضارة وشواطئ المتوسط الحالم.... نعم حبي لك أفلاطوني, وأفتخر أن يتهمني الآخرون بهذا الشغف اليومي الذي حوّلني مهووساً بكتابة الشعر لملائكتك. الا أن بعض الشيء من سمات هذا العالم... صخورُ قانون الأحوال الشخصية الماورائتاريخية.. وفتاوى رجال الدين والسلفيون والتعصب بأشكاله والتسطح الفكري ومجتمع يفهم بكل شيء وينظر بالطبخ والنفخ وعلوم الفضاء ومرجعه الأخير أن لا تقدم ولاحرية ولاشيء يسير الا بقدرة قادر, وهذا القادر هو نفس الذي صلبك وجعل من أهلك قميص عثمان وهو ذاته الذي سمح لقريبه بوش بنهش عراقك وأنزل العقاب بشعب فلسطين وأدار رحى الوغى كلها لتصب في قلبك الدمشقي الصامد, وكل يوم يولد إله لشعب ما, تولد معه حروب وآهات وفقراء لهم أحلامهم وآلامهم, ومن وسط هذه الشعوب المقهورة يولد مبدعون يعرفون أن الحب والكراهية تولد أشياء وأشياء, وكلهم يتغنون مثلي بالوطن الذي أنجبهم وهجّرهم وعلمهم كيماء الحنين..

أحن الى صمت ترابك يا وطني.

faddchile73@hotmail.com