"زاييد" أو السَّرايا - مغنَّاة للموسيقار موزار

مي منسى قرأها 7
 

رحل وولفغانغ موزار قبل 250 عاماً ولا تزال أسطورته تشغل عالم الموسيقى والمخرجين السينمائيين وتنمي الشائعات حول وفاته كما وموسيقاه المحاطة بغموض عبقريته المبكرة. فست وثلاثون سنة من عمر هذه الظاهرة كانت كافية ليملأ موزار الكون بسحرها وجمالها وتنويعاتها، كما بعمقها الروحي وصبيانياتها الندية الشفافة.

مئتان وخمسون بلا كسوف، بلا سهو عن اسمه. غنية بسره العظيم، كأنّ صوت الله منشداً في ألحانه.

قدّر لهذا المختار أن تكون موسيقاه صدى في نفوس البشر وضوءاً يكشف النفوس البهية كما الحزينة، الطيبة كما الحقيرة.

هذه السنة احتفل العالم بأسره وكنا من هذا العالم الراقي نشارك في أفراح موزار، من مهرجان إلى آخر، إلى أن حاصرتنا الفاجعة بكلابتيها وقتلت موسم أفراحنا. غير أننا استمررنا تحت قصف الراجمات ومآتم الأبرياء نتلصص على الحياة خارج أرضنا، من على شاشات الفضائيات وعلى الإنترنت حتى لا يضيع موزار من دائرة برنامج رسمناه على مدار سنة.

إلى أن كان هذا العنوان اللافت ومصدره وكالة رويترز: "العبودية وحقوق الإنسان في أوبرا غير مكتملة لموزار". المخرج بيتر سيلرز الذي تولّى إخراج هذا العمل، روى أنّ هذه المسرحية الغنائية التي لم يكملها موزار تتناول قضية العبودية. وقد بدأ بعرضها هذا الشهر في نيويورك منوِّهاً بأن موزار كان شغوفاً بحقوق الإنسان. ويتابع سيلرز أنّ أوبرا "زاييد" تدور حول علاقة غرامية بين اثنين من العبيد فيبذلان جهوداً للهرب. ومن أجل إعطاء هذا العمل المناخ المعاصر الملائم للحدث، اختار سيلرز متجراً للأعمال الشاقة في لوس أنجلس. وقد عبر لـ "رويترز" خلال مقابلة أجرتها معه عن إعجابه بأوبرا "زاييد" لأنها من طينة موسيقى موزار الرقيقة ومن نسق أعماله الأوبرالية: "إنها مليئة بالعنف والمعاناة".

ويضيف: "بالنسبة لي، إنها بالضبط تمثل الرسالة التي قام الفن من أجلها. أي أن يجد صلة بينهم وبين حقوق الإنسان. فالمؤسف أنّ ما يريده الإنسان اليوم من فنون هو الإباحية والأموال".
والمعروف عن سيلرز أنه مخرج عالمي حقق الكثير من الأعمال الأوبرالية والسينمائية ومشروعه هذا إنما يثير الكثير من الجدل. إذ بالنسبة الى موزار كما لبيتهوفن وسيلة للتعامل مع الوجود.
ولمن لم يتسنَّ له مشاهدة بيتر سيلرز مكتفياً بما ورد في حديثه لوكالة "رويترز"، لا بد أن يتساءل عما أثمرته الإضافات التي اختارها سيليرز من الدراما البطولية "تاموس ملك مصر" ليسدَّ بها الفراغ في أوبرا "زاييد" غير المكتملة، علماً أنّ موزار ألّف موسيقى الغناء الكورثي والإستراحات بين فصل وآخر في هذا العمل، وأنّ بين "تاموس ملك مصر" و"زاييد" كاتبين مختلفين وإن تقارب بينهما الزمن.

فخلال ربيع 1779، جاء ياهون بوهين بفرقته التمثيلية إلى سالزبورغ، فكانت لموزار منــاســبة كي يضــع وحــيه في هذا العمل من موسيقى ترافق نص طوبياس فيليب فون غبلر. وقد يكون موزار ألّف مقاطع من "زاييد" أو "السرايا" من فصلين في تلك المرحلة.
ولبعض التوضيحات إن "زاييد" أو "السرايا" ليست عملاً أوبرالياً بمعناه الكلاسيكي. فالتقاليد الباروكية كانت لا تزال تتفاعل حينذاك في نفس إبن الثالثة والعشرين التائق إلى التغيير. وما سوى الأعمال الأوبرالية المشهورة لدى موزار هنالك مؤلفات عدة كانت رائجة وقتذاك في فيينا تحت عنوان "غناء الأجراس"(sinspeals) وتتنقل بين النسق الرعوي والديني والدنيوي، وكانت المغناة الإنسانية الهزلية "زاييد" من بينها لكاتبها شاشتنشر ومن وحي "التُّركيَّات" وقصص الحريم المثيرة آنذاك في سرايا السلطان التركي. ولقد أعيد اكتشافها بين أوراق موزار بعد وفاته وتمّ إخراجها على نسق المغناة الهزلية في 27 كانون الثاني من عام 1867 .

بيد أنّ مشروع عمل أوبرالي متكامل على نحو "الأوبرا بوف" ظلّ يراود موزار ست سنوات إلى أن عثر، ومن وحي تركياته، على نص لستيفاني لوجون، وعلى ضوئه ولدت أوبراه الشهيرة "خطيفة في السرايا". وكان موزار فخوراً في تقديمها أمام امبراطور النمسا جوزف الثاني. وتبقى ثمة كلمات من التاريخ لا تفنى كالتي صرخها الإمبراطور يومذاك وهو يشاهد الأوبرا: "كثيراً كثيراً من النوطات"، طالباً من موزار أن يخفّف عجقة الموسيقى. ولم يفعل موزار، بل بوسائله المحببة أقنع الامبراطور بأهمية كل نوطة والتي تجعل من هذا العمل تحفة موسيقية مسرحية، قطعت العصور وبقيت فتية، لعوباً، لها مكانتها على مسارح الأوبرا
إسوةً بـ "المزمار السحري" و "زواج فيغارو" و "دون جيوفاني" و "كوزي فان توتي".

وبالعودة إلى ما قاله المخرج العالمي بيتر سيلرز نلمس خطأً لا بد من تصويبه. "زاييد" أو "السرايا" ليس عملاً أوبرالياً ولا حتى من نوع "الأوبرا بوف"، بل وكما ورد في تسميات أعمال موزار المسرحية هي مغناة من فصلين من تلك الأعمال الشعبية المرصودة للمتعة الخفيفة.

dsfdsgdfjfgdfg.jpg